فهرس الكتاب
فلو مَلَكَ العبدُ الدُّنيا من أوَّلها إلى آخرها فنهايتُها ذلك؛ فالدُّنيا قَنْطَرَةٌ أو مَعْبَرٌ إلى الجنَّة أو النَّار؛ فالدُّنيا مَزْرَعَةٌ للآخرة، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ في هذه الآية لمَّا وصف حقيقةَ الدُّنيا أنَّها تَنْقَلِبُ في الآخرة إلى عذابٍ أو مغفرةٍ؛ لكي يُرَغِّبَهُمْ في الآخرة، وَيُزَهِّدَهُمْ في الدُّنيا.
قوله: {وَفِي الْآَخِرَةِعَذَابٌ شَدِيدٌ} .
لِأَهْلِ الكُفْرِ، وَمَنْ تَرَكَ حَقَّ الله وَتَرَكَ طَاعَتَهُ. ولذلك المَلائِكَةُ تُبَشِّرُهُ عِنْدَ المَوْتِ بِسَخَطِ اللهِ وَعَذَابِهِ.
وكأنَّ هذه الآيَةَ مُقَارَنَةٌ بين الدُّنيا والآخرة. الدُّنيا حقيقتُها لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ وَتَكَاثُرٌ، والآخرةُ فيها عذابٌ شَدِيدٌ أو مغفرةٌ من الله وَرِضْوَانٌ.
قوله: {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} .
لِمَنْآَمَنَ بالله وَعَمِلَ صالحًا وأدَّى حَقَّ الله وحقَّ عِبَادِهِ. لذلك الملائكةُ عند الموت تبشِّر بالمغفرة والرِّضوان.
قال ابنُ كَثِيرٍ: «أَيْ: وليس في الآخرة الآَتِيَةِ القَرِيبَةِ إِلاَّ هذا أو هذا؛ إِمَّا عَذَابٌ شَدِيدٌ، وَإِمَّا مَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوَانٌ» . ليس في الآَخِرَةِإلاَّ فَرِيقٌ في الجنَّة وفريقٌ في السَّعير، ليس بعد الموت من مُسْتَعْتَبٍ.
المغفرةُ لأهل الإيمان المخلصين.
قوله: {ورضوان} .
وَرَدَ في الحديث: «أنَّ اللهَ يُنَادِي أَهْلَ الجَنَّةِ يَا أَهْلَ الجنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَالَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْأَعْطَيْتَنَا مَالَمْ تُعْطِأَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قالوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُأبدًا» . متفق عليه.
قوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .
أَعَادَ التَّذْكِيرَ بالدُّنْيَا.
المتاعُ هو الشَّيْءُ المُؤَقَّتُ، ومتاعُ الدُّنيا قَلِيلٌ؛ لأنَّه مُنْقَطِعٌ، فحياتُنا في الدُّنيا محدودةٌ، وأيَّامُنا فيها معدودةٌ، والغَرُورُ هو الخسارةُ؛ يَغْتَرُّ بالشَّيْءِ، يَظُنُّهُ خَيْرًا، ثمَّ يتبيَّن له أنَّه شَرٌّ.
فالدُّنْيَا مَتَاعُ الغَرُورِ لِمَنِ اغْتَرَّ بها، أمَّا المؤمنُ العاقلُ فإنَّه لا يغترُّ بها.
ولذلك عَرَّفَ ابْنُ تيميَّةَ الزُّهْدَ: «هو تَرْكُ مالا يَنْفَعُ في الآخرة» . ولذلك لمَّا بَيَّنَ اللهُأنَّهُأَعْطَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - السَّبْعَ المَثَانِي، والقُرْآنَ العظيمَ، وذلك أكبرُ الحظِّ والنَّصيب، نَهَاهُ أن يمدَّ عَيْنَيْهِ إلى متاع الدُّنيا.
لأنَّ اللهَأعطاه النَّصيبَ الأَكْبَرَ؛ فلا ينبغي له أن ينظر إلى النَّصيب الحقير، ولا سِيَّمَا أنَّهم أُعْطُوا الدُّنيا مِنْأَجْلِ الفتنة والامتحان.
قوله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .
المسابقةُ تَكُونُ في الشَّيْءِ الَّذي يَفُوتُ، وَكَثْرَةُ الخَلْقِ المتَّجهين لمكانٍ واحدٍ تقتضي المسابقة.
فَأَمَرَ-سبحانه - بالمسابقة في أَعْمَالِ البِرِّ، والتَّنَافُسِ فيها، والمُبَادَرَةِ إليها؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ الطَّاعاتِ مَحَلًا للتَّنافس والمسابقة.
ولذلك لا يُسْتَحَبُّ الإيثارُ بالقُرُبَاتِ وأَعْمَالِ البِرِّ والطَّاعات، لا يضيق الاشتراكُ فيها، فالمطلوبُ رَغْبَةُ العبد في التَّقرُّبِ إلى الله، وابتغاء الوسيلة، والمنافسة في محابِّه.
فالمسابقةُ في أعمالِ البِرِّ تجعلكم تفوزون بمغفرة الله ورضوانه وجنَّته.
قال ابنُ رَجَبٍ: «لمَّا سَمِعَ القَوْمُ قَوْلَ الله عزَّ وجل: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} فَهِمُوا أنَّالمُرَادَ مِنْ ذلك أن يَجْتَهِدَ كلُّ واحدٍ منهم أن يكون هو السَّابقَ لِغَيْرِهِ إلى هذه الكرامة.
يقول الحسنُ: «مَنْ نَافَسَكَ في دينك، فَنَافِسْهُ، وَمَنْ نَافَسَكَ في دُنْيَاكَ، فَأَلْقِهَا في نَحْرِهِ» .