فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 581

قال وهيبُ بْنِ الوردِ: «إِنِاسْتَطَعْتَألاَّ يَسْبِقَكَ إلى اللهِ أَحَدٌ فَافْعَلْ» .

وقال بعضُ السَّلف: «لو أنَّرجلًا سَمِعَ بِرَجُلٍأَطْوَعَ لله منه، فَانْصَدَعَ قَلْبُهُ فَمَاتَ، لم يكن ذلك بعجبٍ» .

قال ابنُ القيِّم واصفًا رجالًاأبرارًا ونساءًأخيارًا: «رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الجَنَّةِ فَشَمَّرُوا، وَوَضَحَ لَهُمْ صِرَاطُهَا المُسْتَقِيمُ فَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ، وَرَأَوْا مِنْ أَعْظَمِ الغَبْنِ بَيْعَ مَالا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، في أَبَدٍ لا يزول ولا يَنْفَدُ، بصبابةِ عيشٍ، إنَّما هو كأضغاث أحلامٍ، أو كَطَيْفٍ زار في المنام، مَشُوبٍ بالنَّغص، ممزوجٍ بالغُصَصِ، إن أضحك قليلًا، أَبْكَى كثيرًا، وإن سَرَّ يومًا، أَحْزَنَ شُهورًا» .

لذلك بعدما بيَّن حقيقة الدُّنيا ونهايتَها وحقيقةَ الآخرة وبقاءَها، أَمَرَ عبادَه بالمسابقة والمسارعة إلى ما هو خَيْرٌ وأبقى، وأن يُؤْثِرَهُ على الفاني المَشُوبِ بالكَدَرِ.

فلمَّا بيَّن آفاتِ الدُّنيا، دعاهم إلى دار السَّلام الَّتي سَلِمَتْ من التَّغيير والفناء والزَّوال، فعمَّ عبادَه بالدَّعوة إلى الجنَّة عدلًا، وخصَّ من شاء بالهداية إلى طريقها فضلًا.

قوله: {إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} .

أمرهم بالمسابقة إلى المغفرة، وذلك بالتَّوبة من المعاصي، وعدم الإصرار عليها؛ لأنَّ النَّجاةَ من النَّار تكون بالبُعْدِ عن المعاصي.

قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} .

اللهُ دَعَانَا إلى جنَّةٍ واسعةٍ، والسَّعيُ إليها بالأعمال الصَّالحة؛ فدخولُ الجنَّة بالأعمال الصَّالحة، كما في الدُّعاء العظيم الَّذي كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يَخْتِمُ به كلَّ مَجْلِسٍ: «اللَّهمَّاقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَهَبْ لَنَا مِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ» . رواه الترمذي و النسائي و هو حسن.

قوله: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .

أي: هيِّئت للَّذين آمنوا بالله ورسله.

أُعِدَّتْ لِمَنْ؟ في سورة آل عمران قال: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} وهاهنا قال: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .

قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} يَعُودُ للجنَّة، ويعود أيضًا للإيمان.

فالجنَّةُ العظيمةُ الواسعةُ العريضةُ دخولُها من فضل الله ورحمته، ولكن ما الَّذي أوصلهم للجنَّة؟ الإيمان والعمل الصَّالح.

يقول الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ} أي: الإسلامَ والإيمان والقرآن.

ويقول اللهُ تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍأَبَدًا} .

قوله: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

أي الَّذي لا أَعْظَمَ منه؛ فما يأتينا من خَيْرٍ فَمِنْ عنده يأتي؛ فَمَنْ نَحْنُ لولا فَضْلُهُ علينا؟ سبحان من ذَلَّتْ له الأشراف! أكرم من يرجى ويُخَافُ.

قال ابنُ كَثِيرٍ: «أي: هذا الَّذي أهَّلهم اللهُ له هو مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ عليهم وإحسانه إليهم، كما قدَّمنا في الصَّحيح: أنَّفقراءَ المهاجرين قالوا: يا رسولَ الله، ذَهَبَ أهلُ الدُّثور بالدَّرجات العلا والنَّعيم المقيم. قال: «وَمَا ذَاكَ؟» .

قالوا: يُصَلُّونَ كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويعتقون ولا نعتق.

قال: «أَفَلا أَدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ سَبَقْتُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ منكم إلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» . قال: فرجعوا فقالوا: سَمِعَ إخوانُنا أَهْلُ الأموال ما فعلنا، ففعلوا مثله! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت