فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 581

فهذه مُقَارَنَةٌ بين الدُّنيا والآخرة؛ لعلَّكم تتفكَّرون في الدُّنيا والآخرة؛ الدُّنيا دارُ مَمَرٍّ، والآخرةُ دَارُ مَقَرٍّ، فاعمللدنياك بِقَدْرِ بقائك فيها، واعمل للآخرة بِقَدْرِ مقامك فيها، واعمل لله بِقَدْرِ حاجتك لله، لا تَسْتَغْنِ عنه طَرْفَةَ عَيْنٍ.

قوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .

يخبر- تعالى - عن قَدَرِهِ السَّابق في خَلْقِهِ قَبْلَ أن يبرأ البريَّة، فبيَّن أنَّما يجري في الكون من خيرٍ وشرٍّ كلَّه بقضاء الله وقَدَرِهِ.

وهي تشمل مرتبتي العلم والكتابة؛ لأنَّ الكتابةَ كانت بعد علم الله.

فكلُّ شَيْءٍ مكتوبٌ. قال الحسن: «ما مِنْ خَدْشِ عودٍ ولا عَثْرَةِ قَدَمٍ ولا اختلاجِ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ، وما يعفو الله عنه أَكْثَرُ» .

القَدَرُ كلُّ ما قدَّره اللهُ في الأنفس والكَوْنِ من خَيْرٍ وَشَرٍّ؛ فكلُّ ما يجري في الكون بتقدير الله.

والقَدَرُ نَوْعَانِ:

-قَدَرٌ مُبْرَمٌ نَافِذٌ غيرُ معلَّقٍ

-وهناك قَدَرٌ مُعَلَّقٌ بالأسباب. فاللهُ قَدَّرَ المَرَضَ وَقَدَّرَ العلاجَ، فيُحْتَجُّ بالقدر في المصائب، ولا يُحْتَجُّ بالقَدَرِ في الكفر والمعاصي؛ لأنَّ للعبد اختيارًا وقُدْرَةً.

ولذلك لا يُلامُ على الأمور الَّتي هي خارجةٌ عن إرادته، وَيُلامُ على ما يُقَدَّرُ عَلَيْهِ.

فبعضُهم يحتجُّ بالقَدَرِ في المعاصي وقال: «الأمورُ مُقَدَّرَةٌ» ؛ فلو سَرَقَ شَخْصٌ مَالَكَ هل تدافع أم تقول قَدَرٌ؟

ولذلك قال رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين، قدَّر اللهُ عليه السَّرقةَ. فقال عُمَرُ: وقدَّر اللهُ عَلَيْهِ قَطْعَ يَدِه.

ولا يردُّ القدرَإلاَّ الدُّعَاءُ، وللقَدَرِ مع الدُّعاءِ ثَلاثُ حالاتٍ؛ أن يكون الدُّعاءُأَقْوَى من القَدَرِ، أو يكون القَدَرُأقوى من الدُّعاء، أو التَّساوي، فيتعالجان بين السَّماء والأرض.

قوله: {من مصيبة} .

المصيبة هي ما يُبْتَلَى به النَّاسُ ممَّا يُؤْذِيهِم؛ إمَّا بفقد محبوبٍ أو حصولِ مكروهٍ، وهذا عامٌّ لجميع المصائب، في النَّفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم.

فَجَمِيعُ ما أصاب العباد بقضاء الله وَقَدَرِهِ، قد سبق بذلك علمُ الله - تعالى - وَجَرَى به قَلَمُهُ، وَنَفَذَتْ به مشيئتُه، واقتضته حكمتُه.

والمصيبةُ قدَّرها اللهُ للابتلاء والامتحان؛ ليرى من يصبر على قضائه وَقَدَرِهِ، ومن يسخط، فمن رضي وصبر ورجع إلى ربِّه بالتَّوبة والرِّضا فله الرِّضا، ومن جَزِعَ وَسَخَطَ ولم يصبر فله السَّخَطُ؛ فالصَّبرُ على أقدار الله من الإيمان.

المصائب الَّتي تقع نوعان:

-دنيويَّة: وهي أهونُ.

-ومصائب دينيَّةٌ: وهي أعظمُ.

وَسَوَاءٌ كانت دينيَّةً أو دنيويَّةً فقد سَبَقَتْ في كتابٍ عند ربِّي.

قوله: {إِلَّا فِي كِتَاب} .

(ما) مع (إلاَّ) تفيد الحَصْرَ؛ أي أنَّه لا يخرج من هذا البتَّةَ؛ فلا تحصل مُصِيبَةٌ ليست مَكْتُوبَةً.

أي: لا تحصل عفوًا أو صُدْفَةً؛ إنَّما هي مُقَدَّرَةٌ ومكتوبةٌ في اللَّوح المحفوظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت