فهرس الكتاب
ومع الأسف مجالسُنا فيها كَثِيرٌ من المحرَّمات والمخالَفاتِ للشَّريعة، والشُّغْلُ الشَّاغلُ للنَّاس في المجالس هو الدُّنيا.
وأمَّا فَضَائِلُ المجالس ففي الحديث: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ - تَعَالَى - فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ فِيهِ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» . رواه التِّرمذيُّ وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
والحديثان صحَّحهما الألبانيُّ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلاَّ حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» .
قوله: {يَاأَيُّهَاالَّذِينَآَمَنُواإِذَانَاجَيْتُمُالرَّسُولَفَقَدِّمُوابَيْنَيَدَيْنَجْوَاكُمْصَدَقَةً} .
لمَّا أكثر النَّاسُ المسائلَ على الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَأَثْقَلُوا عليه، أَرَادَ اللهُ أن يخفِّف عن نبيِّه ذلك، فأمر مَنْأراد أن يسأل أن يقدِّم بين يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً لفقراء المسلمين؛ لأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لاتَحِلُّ له الصَّدَقَةُ.
فشُرِعَتْ مِنْ أَجْلِ تَقْلِيلِأشغاله والتَّخفيف عنه من كثرة الأسئلة.
قوله: {) ذَلِكَخَيْرٌلَكُمْوَأَطْهَرُ} .
ففيها أَجْرٌ للمتصدِّق وَنَفْعٌ للفقراء وَتَخْفِيفٌ عن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وَأَطْهَرُ مِنْإِثْمِ النَّجْوَى؛ لأنَّ فيه شَيْئًا من التَّحَرُّجِ والتَّضْيِيقِ.
قوله: {فَإِنْلَمْتَجِدُوا} .
ليس كلُّ النَّاس يَقْدِرُ على التَّصدُّقِ؛ لأنَّ فيهم فُقَرَاءَ؛ فهذا الحُكْمُ في حقِّ مَنْ يَقْدِرُ على الصَّدقة.
وهذا فيه تَخْفِيفٌ على ضعفاء المسلمين؛ فلم يلزموا بالصَّدقة قبل المناجاة.
قوله: {فَإِنَّاللَّهَغَفُورٌرَحِيمٌ} .
أي: تَرْخِيصُ المناجاة مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ.
والمرادُ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدَّقون به، فلا حَرَجَ عليكم؛ فإنَّ اللهَ غَفُورٌ لِعِبَادِهِ المؤمنين، رَحِيمٌ بهم.
قوله: {أَأَشْفَقْتُمْأَنْتُقَدِّمُوابَيْنَيَدَيْنَجْوَاكُمْصَدَقَاتٍ} .
لمَّا شَقَّ على الصَّحَابَةِ هذا الحُكْمُ، نَسَخَهُ اللهُ، وكان ذلك عَشْرَ لَيَالٍ ثُمَّ نُسِخَ. وقيل: ما كان إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثمَّ نُسِخَ.
وقال عليٌّ رضي الله عنه: «هَذِهِ آَيَةٌ من كتاب الله ما عمل بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي» .
والمعنى: أَأَشْفَقْتُمْ- أَيْ أَخِفْتُمْ - تَقْدِيمَ الصَّدَقَاتِ لما فيه من الإنفاق الَّذي تكرهونه؟
لمَّا أَدْرَكَ النَّاسُإِثْقَالَهُمْ على رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بِكَثْرَةِ السُّؤال، نَسَخَهُ اللهُ.
قوله: {فَإِذْلَمْتَفْعَلُوا} أي: لم تقدِّموا؛ لأنَّه لمَّا شُرِعَ الأَمْرُ لم يتصدَّق أَحَدٌ إلاَّ عليَّابْنَأبي طَالِبٍ.
قوله: {وَتَابَاللَّهُعَلَيْكُمْ} .
هذا دَلِيلٌ على أنَّ توقُّفَهُمْ عن الصَّدقة وتأخُّرَهُمْ، فِيهِإِثْمٌ، لَكِنَّ اللهَ تَابَ عليهم.
قوله: {12 فَأَقِيمُواالصَّلَاةَوَآَتُواالزَّكَاةَوَأَطِيعُوااللَّهَوَرَسُولَهُ} .
نَسَخَ اللهُ الأَمْرَ بالصَّدَقَاتِ قَبْلَ السُّؤال، وأباح لهم السُّؤَالَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ الإكثارِ بِالأَسْئِلَةِ والإثقال على رسول الله بذلك، فقلَّلوا منها، وَحَصَلَ التَّخْفِيفُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتنبَّه المسلمون نسخ الله الحكم، وتاب عليهم.
والنَّسْخُ أَنْوَاعٌ؛ مِنْهُ نَسْخُ بَدَلٍ، وَنَسْخُإِزَالَةٍ، وَنَسْخُ تَخْفِيفٍ.
قوله: {فأقيموا} .
أي: فلا تفرِّطوا في الصَّلاة والزَّكاة وسائر الطَّاعات وطاعة الله ورسوله فيما أُمِرْتُمْ به.