فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 581

ومع هذه المهادنة لكنَّالمسلمين لم يَسْلَمُوا من شَرِّهِمْ، ولم يكونوا أصحابَ حَرْبٍ وَضَرْبٍ، بل كانوا أصحابَ دَسٍّ ومؤامرةٍ، فكانوا يجاهرون بالحقد والعداوة، وصبر عليهم نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - حتَّى قاموا بمؤامرةٍ تهدف إلى القضاء على النَّبيِّصلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وبيان ذلك: أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - خَرَجَ إليهم في نَفَرٍ من أصحابه، وكلَّمهم أن يعينوه في دِيَةِ الكلابيَّيْنِ اللَّذين قتلهما عمرو بن أميَّة الضَّمْرِيُّ ـ وكان ذلك يجب عليهم حَسَبَ بنود المعاهدة ـ فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتَّى نقضي حاجتك.

فجلس إلى جنب جدارٍ من بيوتهم ينتظر وفاءَهم بما وعدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعليٌّ وطائفةٌ من أصحابه.

وخلا اليهود بعضُهم إلى بعضٍ، وسوَّل لهم الشَّيطانُ الشَّقاءَ الَّذي كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقالوا: أيُّكم يأخذ هذه الرَّحى، ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟

فقال أشقاهم عمرو بن جحَّاشٍ: أنا. فقال لهم سَلاَّم بن مِشْكَم ٍ: لا تفعلوا؛ فوالله ليخبرنَّ بما هَمَمْتُمْ به، وإنَّه لَنَقْضٌ للعهد الَّذي بيننا وبينه. ولكنَّهم عزموا على تنفيذ خطَّتهم.

ونزل جبريل من عند ربِّ العالمين على رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُعْلِمُهُ بما همُّوا به، فَنَهَضَ مسرعًا وتوجَّه إلى المدينة، ولحقه أصحابُه فقالوا: نهضتَ ولم نَشْعُرْ بك، فأخبرهم بما هَمَّتْ به يَهُودُ.

وما لَبِثَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنِ مَسْلَمَةَ إلى بني النَّضير يقول لهم: «اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، وَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا، فَمَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ» .

ولم يَجِدْالَيهُودُ مَنَاصًا من الخروج، فأقاموا أيَّامًا يتجهَّزون للرَّحيل، بَيْدَ أنَّرئيس المنافقين ـ عبدَ الله بْنَ أُبَيٍّ ـ بَعَثَ إليهم أَناثْبُتُوا وتَمَنَّعُوا، ولا تخرجوا من دياركم؛ فإنَّ معي أَلْفَيْنِ يدخلون معكم حِصْنَكُمْ، فيموتون دونكم؛ (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ وحلفاؤكم من غَطَفَانَ.

وهناك عادت لليهود ثِقَتُهُمْ، واستقرَّ رأيُهم على المناوَأَةِ، وَطَمِعَ رَئِيسُهُمْ حُيَيُّ بْنِ أَخْطَبَ فيما قاله رأسُ المنافقين، فبعث إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: إنَّا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.

ولا شكَّ أنَّالموقف كان حرجًا بالنسبة للمسلمين؛ فإنَّ اشتباكَهم بخصومهم في هذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يَكُنْ مأمونَ العواقب، وقد رأوا كَلَبَ العرب عليهم، وَفَتْكَهُمُ الشَّنيعَ ببعوثهم.

ثمّإنَّيَهُودَ بني النَّضير كانوا على درجةٍ من القوَّة تجعل استسلامَهم بعيدَ الاحتمال، وتجعل فَرْضَ القتال معهم محفوفًا بالمكاره، إلاَّ أنَّالحَالَ الَّتي جَدَّتْ بعد مأساة بئر معونةَ وما قبلها زَادَتْ حَسَاسِيَةَ المسلمين بجرائم الاغتيال والغَدْرِ الَّتي أخذوا يتعرَّضون لها جماعاتٍ وأفرادًا، وضاعفت نقمتَهم على مقترفيها.

وَمِنْ ثَمَّ قَرَّرُوا أن يقاتلوا بني النَّضير ـ بعد هَمِّهم باغتيال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ـ مهما تكن النَّتائجُ.

فلمَّا بلغ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جوابَ حُيَيِّ بن أخطب كَبَّرَ، وكبَّر أصحابُه، ثمَّ نَهَضَ لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابنَ أمِّ مَكْتُومٍ، وسار إليهم، وعليُّابْنِ أبي طالبٍ يَحْمِلُ اللِّوَاءَ، فلمَّا انتهى إليهم فَرَضَ عليهم الحصارَ.

والتجأ بنو النَّضير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنَّبل والحجارة، وكانت نخيلُهم وبساتينُهم عونًا لهم في ذلك، فأمر بقطعها وتحريقها، وفي ذلك يقول حسَّانٌ:

وهان على سَرَاةِ بني لُؤي ** حريق بالبُوَيْرَةِ مستطير

[البويرة: اسم لنخلِ بني النَّضير] وفي ذلك أنزل الله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت