واعتزلتهم قريظةُ، وخانهم عبد الله بنِ أبيٍّ وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أَحَدٌ أن يسوق لهم خيرًا، أو يدفع عنهم شرًّا، ولهذا شَبَّهَ - سبحانه وتعالى - قصَّتهم، وجعل مثلهمما حصل لكفار قريش ببدر: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ} [الحشر: 16] .
ولم يَطُلِ الحصارُ؛ فقد دام سِتَّ لَيَالٍ فقط - وقيل: خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ـ حتَّى قَذَفَ اللهُ في قلوبهم الرُّعْبَ، فاندحروا وتهيَّأوا للاستسلام ولإلقاء السِّلاح، فأرسلوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: نحن نخرج عن المدينة.
فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وَذَرَارِيهِم، وأنَّ لهم ما حَمَلَتِ الإبلُ إلاَّ السِّلاحَ.
فنزلوا على ذلك، وخرَّبوا بيوتَهم بأيديهم؛ ليحملوا الأبوابَ والشَّبابيك، بل حتَّى حمل بعضهم الأوتادَ وجذوعَ السُّقُفِ، ثمَّ حملوا النِّساءَ والصِّبْيَانَ، وتحمَّلوا على ستِّمِائَةِ بَعِيرٍ، فترحَّل أكثرُهم وأكابرُهم كَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَسَلاَّمِابْنِ أبي الحُقَيقِ إلى خَيْبَرَ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ منهم إلى الشَّام، وأسلم منهم رَجُلانِ فقط؛ يامِينُ بن عمرٍو، وأبو سعد ابْنُ وَهْبٍ، فأحرزا أموالَهما.
وَقَبَضَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سلاحَ بني النَّضير، واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السِّلاح خَمْسِينَ دِرْعًا، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً، وَثَلاثَمِائَةٍ وأربعين سَيْفًا.
وكانت أموالُ بني النَّضير وأرضُهم وديارُهم خالصةً لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يضعها حيث يشاء، ولم يخَمِّسْها؛ لأنَّ اللهَ أَفَاءَهَا عليه، ولم يُوجِفِ المسلمون عليها بِخَيلٍ ولا رِكابٍ، فَقَسَّمَهَا بين المهاجرين الأوَّلين خاصَّةً، إلاَّ أنَّه أَعْطَى أبا دُجَانَةَ وَسَهْلَ بْنِ حُنَيفٍ الأنصاريَّيْنِ؛ لفقرهما.
وكان ينفق منها على أهله نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثمَّ يجعل ما بقي في السِّلاح والكُرَاع عُدَّةً في سبيل الله.
-مختصر القصَّة:
في السَّنَةِ الرَّابعة للهجرة بعد غَزْوَةِ أحدٍ، وقبل غزوة الأحزاب، ذهب نبيُّنا محمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - مع عَشَرَةٍ من كبار أصحابه، فيهم أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ - رضي الله عنهم أجمعين - إلى بني النَّضير يَطْلُبُ منهم المشاركةَ في أداء دِيَةِ قَتِيلَيْنِ.
وقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتَّى نقضي حاجتك. فجلس إلى جنب جدارٍ من بيوتهم ينتظر وَفَاءَهُم بما وعدوا، وجلس معه أبو بكر وعمرُ وعليٌّ وطائفةٌ من أصحابه.
وخلا اليهودُ بعضُهم إلى بعض، وسوَّل لهم الشَّيطان فتآمروا بقتله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال بعضهم لبعضٍ: «إنَّكم لن تجدوا الرَّجل على مثل حاله تلك - أي أنَّها فرصةٌ لا تُعَوَّضُ - فمن رجلٌ منكم يعلو هذا البيت، فَيُلْقِي عليه صخرةً فيريحنا منه؟» .
فانتدبوا لذلك عمرَو بْنِ جحَّاشٍ، فصعد ليلقي عليه الصَّخرة كما قال، فأُوحِي إلى النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - بما يبيِّت هؤلاء ضدَّه، فقام كأنَّه يقضي أمرًا، فلمَّا غاب، واستبطأه أصحابُه، خرجوا من المحلَّة يسألون عنه، فعلموا أنَّه دخل المدينة؛ جاءه الوحيُ، وأخبره بما تآمر عليه اليهود.
فأرسل لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رسالةً واضحةً: لا تساكنونني المدينة. وأعطاهم رسولُ الله عَشَرَةَ أيَّامٍ للخروج، ومن وَجَدَهُ بَعْدَهَا ضَرَبَ عُنُقَهُ.
في بداية الأمروَافَقَ بنو النَّضير على ذلك، ولكن سرعان ما جاءَهم رأسُ المنافقين ابنُ سَلُولٍ، ووعدهم بأنَّ معه أَلْفَيْنِ يقاتلون معهم.
وقال لهم: قولوا له كلمةً واحدةً، لن نخرج من المدينة وسنقف معكم صفًّا واحدًا.
عندها حاصرهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخرجهم من المدينة.