فهرس الكتاب
فَدِينُ الإِسْلامِ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ على جميع الأَدْيَانِ، والمسلمون إذا تمسَّكوا بالدِّينِ، صار دينُهم وأمرُهم ظَاهِرًا كما قال عُمَرُ رضي الله عنه: «نَحْنُ قَوْمٌأَ أعزَّنَا اللهُ بالإسلام، وَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا العِزَّةَ بِغَيْرِهِ، أَذَلَّنَا اللهُ» .
وإذا تَخَلَّوْا عَنْهُ فليس لهم نُصْرَةٌ، ولا رِفْعَةٌ؛ فإذا تخاذل المسلمون عن دينهم، لم تكن لهم رِفْعَةٌ، وإذا تمسَّكوا بالدِّين، صَارَ دِينُهُمْ ظَاهِرًا، وأَمْرُهُمْ ظاهرًا، ولهم السِّيادةُ والسُّلطانُ.
لمَّا بَيَّنَ اللهُ أَنَّهناك مِنْأَعْدَاءِ الإسلام من يريد إِطْفَاءَ نُورِ الله، بَيَّنَ بَعْدَهَا بماذا يَتِمُّ نُورُ الله.
بالجهاد؛ فلا يعلو هذا الدِّينُ إلاَّ بالجهاد؛ فلن يستطيعوا أن يطفئوا نُورَ الله، والجِهَادُ قَائِمٌ بِشَرْطِ أن يكون الجهادُ مِنْ أَجْلإعلاء كَلِمَةِ الله.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} .
هذه الآَيَةُ جَوَابٌ على سؤالهم حينما قالوا: «وَدَدْنَا أَنْنَعْلَمَ أيُّ الأعمال أَحَبُّ إلى الله؟» . فيفعلوه، فَبَيَّنَ اللهُ أَعْظَمَ التِّجَارَاتِ الرَّابحة في هذه الآيات، وَأَجْمَلَهَا؛ لِتَتَطَلَّعَ النُّفُوسُ إليها.
وهذه التِّجَارَةُ يَحْصُلُ بها النَّجَاةُ من عذابٍأَلِيمٍ، والفَوْزُ بالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} .
ماذا نقول؟ نقول: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يا اللهُ» .
قوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ} الجواب: نعم، فَفِيهَا تَشْوِيقٌ للنُّفوس إلى هذه التِّجارة الَّتي دَلَّ عليها ربُّ العالمين.
قوله: {عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ} .
التِّجَارَةُ تِجَارَتَانِ: تِجَارَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَتِجَارَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، فأمَّا التِّجَارَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فلا حَرَجَ على الإنسان فيها إذا كانت بالطُّرُقِ المشروعة.
أمَّا التِّجارةُ الأُخْرَوِيَّةُ، فهي التِّجَارَةُ الحقيقيَّةُ؛ لأنَّها تِجَارَةٌ لا تَكْسَدُ ولا تَخْسَرُ، والرِّبْحُ فيها مَضْمُونٌ.
وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللهُ أَهْلَ النِّفَاقِ لمَّا اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى واشْتَرَوُا الدُّنْيَا بالآَخِرَةِ: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} بل تِجَارَتُهُمْ خَاسِرَةٌ؛ فَمَنْ شَغَلَهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُ عن طاعة الله، فهو خَاسِرٌ، ولو رَبِحَ الدُّنيا، ولو جمع البلايين، واشتغل بها عن طاعةِ الله.
فَمَصِيرُهُ في النِّهاية أَنْ يَتْرُكَهَا؛ فَمَنِ اشْتَغَلَ بالبيع والصَّلاة تُقَامُ، كَانَ خَاسِرًا، وَمَنأَنْفَقَ سِلْعَتَهُ بالغِشِّ وَحَصَلَ على رِبْحٍ فَهُوَ خَاسِرٌ.
كلُّ عملٍ يخسر فيه الإنسانُ دِينَهُ فَهُوَ خَاسِرٌ، وَلَوْ رَبِحَ الدُّنيا كلَّها.
وفي الجانب الآخر أَثْنَى اللهُ على أهل الإيمان بأنَّهم رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله.
-ماهي التِّجَارَةُ؟
أوَّلُ ثَمَرَاتِهَا النَّجَاةُ من النَّار وعذاب الله؛ النَّجَاةُ مِنْ كُلِّ مَرْهُوبٍ.
قوله: {تؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
فَسَّرَ اللهُ هَذِهِ التِّجَارَةَ الرَّابحةَ الَّتي تُنْجِي من عَذَابٍأَلِيمٍ بالإيمان الَّذي لاشَكَّ فيه، وَجِهَادِ أَهْلِ العصيان.
«لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ» إذا رَسَخَ الإِيمَانُبها في القُلُوبِ؛ فَسَحَرَةُ فِرْعَوْنَ في أوَّل الأمر طلبوا الدُّنيا والمناصب، فلما تحقِّق الإيمانَ في قلوبهم.
هانت عليهم الدُّنيا وهانت عليهم أنفسُهم، وقالوا لفرعون: {اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} ، «لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ» ثَبَاتٌ ما بَعْدَهُ ثَبَاتٌ.
أَمَرَهُمْ أوَّلًا بالإيمان: إيمانِ القلب، والجوارح، ودلَّهم على أعظم أعمال الإيمان وهو الجِهَادِ الَّذي هو ذُرْوَةُ سَنَامِ الإسلام.
{وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِبِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} .
الجِهَادُ: هو أعظمُأَعْمَالِ الإيمان؛ لأنَّهُ ذُرْوَةُ سَنَامِهِ، وَمَنْ جَاهد بنفسه دلَّ على قوَّة إيمانه وتصديقه.