قوله: {من السماء} : أي مِنَ السَّحاب؛ لأنَّ السَّماءَ المرادُ بها هنا العُلُوُّ، وليست السَّماءَ المبنيَّةَ السَّقْفَ المَحْفُوظَ، فَيَنْزِلُ مِنَ العُلُوِّ حتَّى يَشْمَلَ كلَّ مَكَانٍ مِنْ مُرْتَفِعٍ وَسَهْلٍ وأَوْدِيَةٍ وَغَيْرِهَا.
قوله: {مُباركًا} : أي كَثِيرَ المنافع؛ فيغذِّي الأشجار والحيوان والإنسان، فينتفع به النَّاسُ ودوابُّهُم وزُرُوعُهم، ويُخَزَّنُ في الأرض.
وهذا الماءُ مُبَارَكٌ مِنْ نَاحِيَةِأَثَرِهِ؛ فقد كان نبيُّنا يَحْسِرُ عن رَأْسِهِ وَيَقُولُ: «صَيِّبًا نَافِعًا» . رواه البخاري.
قوله: {فأنبتنا به جنات} : أي البَسَاتِينَ ذاتَ الأَشْجَارِ الكثيرةِ الملتفَّةِ بعضُها على بَعْضٍ.
قوله: {وحَبَّ الحصيد} : أي الحبوبَ المحصودةَ من المزروع.
لماذا خصَّ الحَبَّ والنَّخْلَ؟ لأنَّهما يتقوَّت عليهما النَّاسُ.
قوله: {وَالنَّخْلَبَاسِقَاتٍلَهَاطَلْعٌنَضِيدٌ} : أي مرتفعاتٍ وعالياتٍ، ويعيش عليها أجيالٌ؛ لأنَّ النَّخْلَةَ تعيش أَكْثَرَ من مِئَةِ سَنَةٍ.
قوله: {لها طلعٌ نضيد} : أي متراصٌّ ومنتظمٌ؛ لأنَّ القِنْوَانَ أو الشَّماريخَ التَّمْرُ فيها متراصٌّ ومنتظمٌ وناضجٌ، وكلُّ ثَمَرَةٍيأتيها غذاءُها، وهذا من عجائب قدرة الله.
قوله: {رِزْقًالِلْعِبَادِوَأَحْيَيْنَابِهِبَلْدَةًمَيْتًاكَذَلِكَالْخُرُوجُ} : أي هذه الحبوبُ والثِّمارُ رِزْقٌ للعباد، يَقْتَاتُونَ عَلَيْهِ، وأحياها اللهُ بهذا الماء بَعْدَ أن كانت بَلْدَةً مَيْتَةً؛ فهذا المَطَرُ يحيي به اللهُ الأرضَ المَيْتَةَ.
قوله: {كذلك الخروج} : أي تُنْشَرُونَ من القبور بعد الموت؛ فمن أحيا الأرض بعد موتها قَادِرٌ على أن يُخْرِجَ الأَجْسَادَ مِنَ القبور بعد موتها.
فكما أنَّالأرضَ تَذْخَرُ البذورَ في بطنِها، فإذا نَزَلَ عليها الماءُ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، كذلك البَشَرُ؛ إذا مات الميِّتُ وتحلَّل جسدُه إلى ترابٍ، فَيَفْنَى من ابنآدمَ كلُّ شَيْءٍإلاَّ عَجَبَ الذَّنَب؛ فَفِي الحَدِيثِ: «كُلُّ ابْنِ آَدَمَ تَأْكُلُ الأَرْضُ إِلاَّ عَجَبَ الذَّنَبِ؛ مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ» . أبو دَاودٍ، والنَّسائيُّ، وأحمد.
هذه العَظْمَةُ الصَّغِيرَةُ وُضِعَتْ في أعلى درجات الحرارة الَّتي تذيب الحديد، وما ذَابَتْ؛ لأنَّ نبيَّنا قال: «يَفْنَى من ابنِآَدَمَ كلُّ شَيْءٍإلاَّ عَجَبَ الذَّنَبِ؛ مِنْهُ خُلِقَ، ومنه يركَّب يوم القيامة» .
قوله: {كَذَّبَتْقَبْلَهُمْقَوْمُنُوحٍوَأَصْحَابُالرَّسِّوَثَمُودُ} : انتقل هنا إلى تقرير النُّبُوَّةِ بِأَحْسَنِ تَقْرِيرٍ، وعَاقِبَةِ كلِّأمَّةٍ كذَّبت رسولَها، وأهلكَهم اللهُ بِأَنْوَاعِ العَذَابِ حينما لم يؤمنوا وكذَّبوا.
فَذكَرَ اللهُ لِنَبِيِّهِ وأمَّتُه تَبَعٌ لَهُ نَمَاذِجَ من المكذِّبين، وما صُنِعَ بهم بعد أن أقام عليهم الحُجَّةَ بإرسال الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الكُتُبِ؛ أهلكهم اللهُ.
وقد أخبرنا بِذِكْرِ نبيِّنا؛ وهو رجلٌأمِّيٌّ، من غير أن يتعلَّم من معلِّمٍ، أويقرأه في كتابٍ، وكان ذلك مطابقًا لما عند أهل الكتاب.
كذَّبت قومُ نوحٍ أوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهل الأرض، وبعثه إلى قومه، لمَّا غَلُوا في الصَّالحين وعبدوهم من دُونِ الله.
وما تَرَكَ نبيُّهم وَسِيلَةً من وسائل الدَّعوة إلاَّ استخدمها معهم، وَمَكَثَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍإلاَّ خَمْسِينَ عامًا، وأوحى اللهُإليه أنَّه لن يؤمن من قومك إلاَّ مَنْ قد آَمَنَ، فدعا عليهم، فجاءهم عذابٌ استئصاليٌّ، فأهلكهم اللهُ بالغَرَقِ حتَّى علا الماءُ رُءُوسَ الجبال، ونجَّى اللهُ نوحًا والَّذين آمنوا معه.
قوله: {وأصحاب الرَّس} : قيل: إنَّه مَوْقِعٌ. وقيل: إنَّه بِئْرٌ. أمَّةٌ يُقَالُ لَهَا أَصْحَابُ الرَّسِّ، والرَّسُّ هِيَ البئرُ؛ فَهُمْ قَوْمٌ اجْتَمَعُوا حَوْلَ بِئْرٍ، وكفروا بالله، فَبَعَثَ اللهُإليهم نبيًّا يدعوهم، فكذَّبوه، وأخذوه، وَأَلْقَوْهُ في البِئْرِ.
فَغَارَ مَاؤُهَا، وَعَطِشُوا بعد رِيِّهم، وَيَبِسَتْأَشْجَارُهُمْ، وانقطعت ثمارُهم، وَخَرِبَتْ دِيَارُهُم، وَهَلَكُوا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَقَتْلِهِمُ النَّبيَّ عليه السَّلامُ.