وفائدةُ الإشهاد: حتَّى لا يَحْصُلَ تَجَاحُدٌ بينهما أو يَمُوتَأَحَدُهُمَا، فَيَدَّعِيَ الآَخَرُ بَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ.
-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ:
إنَّ الأمرَ بالإشهاد عند الطَّلاق يدلُّ على أنَّ الحَلِفَ بالطَّلاق أو تَعْلِيقَ وُقُوعِهِ بِأَمْرٍ ممَّا لا يُعَدُّ طلاقًا في الشَّرع.
قوله: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} .
هذا للشُّهود؛ أَمَرَهُمْبإقامة الشَّهادة؛ فلا يَخَافُوا ولا يُحَابُوا؛ لإقامة القِسْطِ.
قوله: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} .
أي: هذا الَّذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشَّهادة، إنَّما يَأْتَمِرُ به من يؤمن بالله، ومن يخاف عقاب الله في الدَّار الآخرة.
قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} .
هذا وَعْدٌ من الله لمن امْتَثَلَأَمْرَهُ في الطَّلاق، والرَّجعة، والإمساك، والتَّسريح، والإشهاد؛ فَيُطَلِّقَ للسُّنَّةِ، وَيُرَاجِعَ للسُّنَّةِ، ولم يضارَّ المعتدَّة، ولم يخرجها من مسكنها؛ فإنَّ الله يُغْنِيهِ عن الحِيَلِ كلِّها.
فَمَنِ اتَّقى اللهَ لَمْ يَنْدَمْ، ولم يَحْتَجْ إلى حِيلَةٍ، ولا تَحْلِيلٍ.
جاء رجلٌ لابن عبَّاس قال: «طلَّقتُ امرأتي ألفًا» . فقال: «أمَّا ثلاثٌ فَتَحْرُمُ عَلَيْكَ وَبَقِيَّتُهُنَّ وِزْرٌ» .
فَبَشَّرَ - سبحانه- عبادَه الَّذين يتَّقونه ويراقبونه بِبِشَارَاتٍ متعدِّدةٍ.
إنَّ مَنِ اتَّقى اللهَ في أُمُورِهِ كَانَتِ التَّقْوَى سببًا في أن يجعل اللهُ لَهُ مَخْرَجًا؛ فَمَنِ اتَّقى اللهَ وَقَاهُ، وَكَفَاهُ، وَحَمَاهُ.
فاللهُ يَجْزِي الزَّوْجَيْنِ بِحَسَبِ امْتِثَالِهِمَا لأَمْرِ الله، وَبِحَسَبِ قَصْدِهِمَا؛ فَمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ اتَّسَعَتْ عليه مخارجُ فَرَجِهِ.
يقول ابنُ مَسْعُودٍ: «وإنَّ أكثرَ آَيَةٍ في القرآن فَرَجًا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} » .
لمَّا طلَّق رَجُلٌ امرأتَه ثَلاثًا، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَكَتَ ثمَّ قال: «يرتكب أَحَدُكُمْ الأُحموقَةَ ثمَّ يقول يا ابنَ عبَّاس، والله يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} فَمَا أَجِدُ لَكَ مَخْرَجًا؛ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، واللهُ يقول: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} » . فَجَمْعُ الثَّلاثِ دَفَّةً وَاحِدَةً مُحَرَّمٌ، وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ.
قوله: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} .
أي: يَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يرجو أو لا يأمل.
قال ابنُ مَسْعُودٍ: «ثَلاثٌ يُحْرَمُ العَبْدُ العِلْمَ بالذَّنب، وَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ، ويُحْرَمُ» .
قوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: كَافِيهِ.
وجعل جزاء المتوكِّل عليه كَوْنَهُ فَوَّضَأَمْرَهُإلَيْهِ، وَجَعَلَ التَّوكُّلَ بَعْدَ التَّقوى؛ لأنَّ التَّوكُّلَ بِدُونِ القِيَامِ بالأسباب المَأْمُورِ بها عَجْزٌ.
والتَّوكُّلُ على الله مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ العبادة؛ فالقوَّةُ كلُّ القوَّة في التَّوَكُّلِ على الله.
مَنْ سَرَّهُ أن يكون أقوى النَّاس فليتوكَّل على الله؛ فالقوَّةُ مَضْمُونَةٌ بالتَّوَكُّلِ، وَتَنْقُصُ بِحَسَبِ نَقْصِ التَّقْوَى والتَّوَكُّلُ، وإلاَّ فَمَعَ تَحَقُّقِ الأَمْرَيْنِ التَّقْوَى والتَّوَكُّلِ يَجْعَلُ اللهُ مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ ما ضَاقَ على النَّاس.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه} أَيْ: مُنَفِّذٌ أَقْدَارَهُ، وَأَحْكَامَهُ، وقضاءَه على جميع خَلْقِهِ كما يريد وكما يشاء على عباده.
قوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} .
أي: وقتًا لا يتعدَّاه؛ فلا يستعجل المتوكِّل فيقول توكَّلتُ ودعوتُ فَلَمْأَرَ شَيْئًا، ولم تحصل كِفَايَةٌ؛ فاللهُ بَالِغٌأَمْرَهُ في الوقت الَّذي قَدَّرَهُ.