فهرس الكتاب
ومن ذلك قدَّر العدَّة بالنِّسبة للَّتي تحيض أولا تحيض.
قوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} .
سياقُ الآية أنَّها في أَحْكَامِ المطلَّقات، وقال بعضهم: «إنَّ الآَيَةَ عامَّةٌ في المطلَّقات والمتوفَّى عنهنَّأَزْوَاجُهُنَّ» .
قال ابنُ جَرِيرٍ: «لأنَّه - تعالى - عَمَّمَ القَوْلَ، ولم يُخَصِّصِ الخَبَرَ عن مُطَلَّقَةٍ دُونَ مُتَوَفًّى عنها زَوْجُهَا» .
وعليه هذه الآيةُ في أحكام العدَّة، وهي أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
-أوَّلًا: عِدَّةُ المرأة الَّتي لا تحيض، وهي نوعان:
-الأول: الكَبِيرَةُ الَّتِي يَئِسَتْ مِنَ الحَيْضِ، كما في قوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} .
ومعنى {إِنِ ارْتَبْتُمْ} فيه قولان:
-أَيْأَشْكَلَ عَلَيْكُمُ الدَّمُ هل هو حَيْضٌ أَوْ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ، وَارْتَبْتُمْ فيه.
-والقول الثَّاني: أَوأَشْكَلَ عَلَيْكُمْ حُكْمُهُنَّ في العِدَّةِ، ولم تَعْرِفُوهُ، فهو ثَلاثُ أَشْهُرٍ.
قوله: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} .
أي: فَعِدَّةُ المَرْأَةِ الكبيرة اليائسة والصَّغيرة إذا طلَّقهنَّأزواجُهُنَّ بَعْدَ الدُّخول ثَلاثَةُأَشْهُرٍ.
فالمطلَّقة الَّتي لا تحيض لِصِغَرِ سِنِّهَا وَمَا بَلَغَتْ سِنَّ الحيض فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهر.
وها هنا مسألة جواز تزويج ابنته الصَّغيرة إذا كان لها في ذلك مصلحةٌ خلافًا لما يشاع من إنكار تزويجهنَّ؛ لأنَّ الله جعل لها عِدَّةً.
-النَّوْعُ الثَّاني: عِدَّةُ الحَامِلِ بِوَضْعِ الحَمْلِ مُطْلَقًا؛ سَوَاءٌ وَضَعَتْهُ في مدَّةٍ قَصِيرَةٍ أَوْ طَوِيلَةٍ؛ فهي عامَّةٌ في المطلَّقات والمتوفَّى عنهنَّأزواجهنَّ.
فإذا وَضَعَتِ الحَمْلَ، خَرَجَتْ مِنَ العِدَّةِ، ولو لم يَمْضِ عَلَيْهَا إلاَّ لَحْظَةٌ.
ففي الحديث عن سبيعةَ الأسلميَّةِ الَّتي توفِّي عنها زوجُها وهي حاملٌ وكانت تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وكان ممَّن شَهِدَ بدرًا - فتوفِّي عنها في حجَّة الوداع وهي حاملٌ، فلم تَلْبَثْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بعد وفاته، فلمَّا تعلَّت من نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلخُطَّابِ.
فَدَخَلَ عليها أبو السَّنابل ابنُ بعكك فقال لها: مالي أراكِ متجمِّلةً؟ لعلَّك ترجين النِّكاح، إنَّك والله ما أنت بناكحٍ حتَّى تمرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قالت سبيعةُ: «فلمَّا قال لي ذلك جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسألتُه عن ذلك، فأفتاني بأنِّي قد حَلَلْتُ حين وضعتُ حَمْلِي، وأمرني بالتَّزويج إِنْ بَدَا لِي» . متفق عليه.
-والنَّوعُ الثَّالثُ: المرأةُ الَّتي تَحِيضُ. فَقَدْرُ العدَّة لها ثلاثُ حِيَضٍ بعد الطَّلاق.
-والنَّوعُ الرَّابعُ: المتوفَّى عنها زوجُها.
قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} .
لَوِ اتَّقى اللهَ عامَّةُ المُطَلِّقِينَ، واسْتَغْنَوْا بِتَقْوَاهُ وتقيَّدوا بِأَحْكَامِ الطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، والإمساك، والتَّسريح، لَمْ يَنْدَمُوا ولم يُضَيِّقُوا على أنفسِهم، وَلَمْ يَحْتَاجُوا إلى حِيلَةٍ ولا تَحْلِيلٍ.
وهذا مِنْ ثَمَرَاتِ التَّقوى، وما يترتَّب عليها من الفوائد العظيمة.
قال ابْنُ عبَّاسٍ لِرَجُلٍ سأله أنَّه طلَّق امرأتَهُ ثلاثًا، فقال له: «إنَّك لَمْ تَتَّقِ اللهَ، فلا أَجِدُ لك مخرجًا، عصيتَ ربَّك وَبَانَتِ امرأتُكَ، لَمْ تتَّقِ اللهَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَكَ مخرجًا» .
قوله: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} .
أي: ما ذَكَرَهُ اللهُ من أوَّل السُّورة مِنْأحكام الطَّلاق والرَّجْعَةِ والعِدَّةِ أَمْرُ الله؛ أَيْ: شَرْعَهُ.