فهرس الكتاب
قوله: {أنزله إليكم} أي: بِوَاسِطَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} .
هَذِهِ فَائِدَةٌ ثَالثةٌ للتَّقْوَى؛ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ؛ لأنَّه لا يكاد يَسْلَمُ أَحَدٌ من السَّيِّئَاتِ، ولكن إذا اتَّقى اللهَ بِفِعْلِأَمْرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ، كفَّر اللهُ عنه ذُنُوبَهُ.
والمرادُ بها صغائر الذُّنوب، أمَّا الكبائرُ فلا بُدَّ لها مِنْ تَوْبَةٍ.
قوله: {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} .
هذه فَائِدَةٌ رَابِعَةٌ للتَّقْوَى؛ فأوَّلًا: ذَكَرَ اللهُأنَّه يَجْعَلُ للمتَّقِي فَرَجًا بِتَقْوَاهُ من الضِّيق، وَيَحْصُلُ له التَّيْسِيرُ في أموره، وَيَحْصُلُ له التَّكْفِيرُ من سيِّئاته، وكذلك يُضَاعَفُ له الأجرُ.
-مَلْحَظٌ وَوَقْفَةٌ مهمَّةٌ:
كلمةُ التَّقْوَى تكرَّرت في القرآن الكريم كثيرًا؛ فقد وَرَدَتْ كلمةُ التَّقْوَى ومشتقَّاتُهَا في القرآن الكريم في (257) آيةً، ومعناها ألاَّ يَفْقِدُكَ اللهُ - تعالى - حَيْثُأَمَرَكَ، وألاَّ يَجِدَكَ حَيْثُ نَهَاكَ.
كيف تحقِّق التَّقوى؟ ذلك بالأخذ بوصيَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سَعِيدِبنيَزِيدَالأَزْدِيِّ، فقال له:"أُوصِيكَأَنْتَسْتَحِيَمِنَاللَّهِعَزَّوَجَلَّكَمَاتَسْتَحِيمِنَالرَّجُلِالصَّالِحِ".
رواهالإمامأحمدفي"الزهد"،والبيهقيفي"شعبالأيمانوالطبرانيفي"المعجمالكبير"وصححهالألبانيفي"الصحيحة"الحَيَاءُ هو السَّبَبُ الموجبُ للخَشْيَةِ في السِّرِّ، وهو استشعارُ مَعِيَّةِ اللهِ."
فالتَّقْوَى رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ، وَجِمَاعُ الخَيْرِ كُلِّهِ، وَأَسَاسُهَا الإِخْلاصُ؛ ما خرج الإنسانُ من الدُّنيا بِزَادٍأَحَبَّ ولا أَعْظَمَ ولا أَكْرَمَ عند الله مِنْ زَادِ التَّقْوَى.
هذا الزَّادُ نَادَى اللهُ بِهِ الأَوَّلِينَ والآَخِرِينَ، وهذا الزَّادُ وَصَّى به الأَنْبِيَاءَ والمُرْسَلِينَ، وهذا الزَّادُ وَصَّى به الأخيار الصَّالحين.
لا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّأَهْلَهَا، ولا يَرْحَمُ إلاَّأَهْلَهَا، ولا يُثِيبُ إلاَّ عليها. الواعظون بها كَثِيرٌ، والعاملون بها قَلِيلٌ. جَعَلَنَا اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ.
ولها ثِمَارٌ عَظِيمَةٌ، منها مَعِيَّةُ الله، فَمَنِ اتَّقى اللهَ كَانَ اللهُ معه، فَحَفِظَهُ في نَفْسِهِ وَمَالِهِ وأَهْلِهِ وَوَقْتِهِ.
يقول اللهُ تعالى: {نَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} .
ومنها مَحَبَّةُ اللهِ لأَهْلِهَا؛ يقول الله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِين} . ومَنْأَحَبَّهُ الله وَفَّقَهُ وَسَدَّدَهُ؛ فلا ينطق إلاَّ بِذِكْرِهِ، ولا يتحرَّك إلاَّ بِأَمْرِهِ.
فَإِنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ صَرَفَهَا عَنْهُ، وَإِنْ هَمَّ بِطَاعَةٍأَعَانَهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَهُ أَعَاذَهُ.
ومنها أنَّها سَبَبٌ لِمَعْرِفَةِ الحقِّ مِنَ البَاطِلِ؛ فلا يلتبس عليه فيزيغَ؛ فَيَجْعَلَ اللهُ له نورًا يميِّز الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ؛ {إِنتَتَّقُوااللَّهَيَجْعَللَّكُمْفُرْقَانًاوَيُكَفِّرْعَنكُمْسَيِّئَاتِكُمْوَيَغْفِرْلَكُمْ} .
ومنها أنَّها سَبَبٌ لِقَبُولِ العمل. يقول الله تعالى: {إِنَّمَايَتَقَبَّلُاللَّهُمِنَالْمُتَّقِينَ} .
ومنها أنَّهَا سَبَبٌ للفوز بالجنَّة. يقول الله تعالى: {تِلْكَالْجَنَّةُالَّتِينُورِثُمِنْعِبَادِنَامَنكَانَتَقِيًّا} .
قوله: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} .
أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ إذا طَلَّقَأَحَدُهُمُ المَرْأَةَ طَلاقًا رَجْعِيًّا أَنْ يُسْكِنَهَا حتَّى تنقضيَ عِدَّتُهَا؛ لأنَّه لا نَفَقَةَ لِبَائِنٍ، كما في حديث فاطمة بِنْتِ قَيْسٍ لمَّا طلَّقها زوجُها ثلاثًا سئل الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهَا فَقَالَ: «لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ» رواه النسائي و ابن حبان.
قوله: {مِنْ وُجْدِكُمْ} أي: بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ. فَجَعَلَ السُّكْنَى بِحَسَبِ قدرة الزَّوج، وليس بحسب حاجة الزَّوجة.