وقال الشَّيخُ صَالِحٌ الفوزان في «شرح كتاب التَّوحيد» : «الجنُّ يمسُّون الإنسَ ويخالطونهم ويصرعونهم، وهذا شَيْءٌ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ لا يُكَفَّرُ، بل يُضَلَّلُ؛ لأنَّه قد يخفي معالجة نبيِّنا - عليه الصَّلاة والسَّلام - لأَحَدِ أَصْحَابِهِ وقوله: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» . فَسَعَلَ سَعْلَةً، وَخَرَجَ مِنْهُ مِثْلُ الجرو الأَسْوَدِ. رواه أحد و الحاكم و البوصيري.
(4) - التَّحَصُّنُ منهم بالأذكار الشَّرْعِيَّةِ.
قوله تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} :قُلْ يَا مُحَمَّدُأُوحِيَإِلَيَّ؛ أَيْ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ - عليه السلام -.
وطبعًا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما دَرَى ولا عَلِمَ عن استماع الجنِّ إليه إلاَّ بالوحي؛ لأنَّه ما يَعْلَمُ من الغيب إلاَّ ما علَّمه اللهُ.
ما هو الشَّيْءُ الَّذي أُوحِيَ إِلَيْهِ؟ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ.
قوله: {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} : الجِنُّ عَالَمٌ خَفِيٌّ خِلافُ الإنس، سُمُّوا بذلك لاستتارهم عن النَّاس، وهم مَخْلُوقَاتٌ خَفِيَّةٌ خُلِقَتْ مِنَ النَّار.
-سبب استماع الجنِّ: لمَّا حِيل بين الشَّياطين وبين خَبَرِ السَّماء، وَأُرْسِلَتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجعت الشَّياطينُ إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبين خبر السَّماء، وأُرْسِلَتْ علينا الشُّهبُ. فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السَّماء إلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ.
وكانت الفترة ما بين المسيح عيسى ونبيِّنا مُحَمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - مَا يَزِيدُ عن خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَتُسَمَّى بالفَتْرَةِ بِسَبَبِ طُولِ مَا بَيْنَ الرَّسولين.
وكانت الشَّياطينُ في هذه المدَّة متسلِّطةً على البشر، وكانت تسترق السَّمْعَ، فَتَسْمَعَهُ من الملائكة في السَّماء، وَتُلْقِيهِ على الكهَّان، وكان كلُّ حَيٍّ من أحياء العرب لهم كَاهِنٌ يستخدم الشَّياطين، فتسترق له السَّمْعَ، فتأتي بخبر السَّماء إليه.
وكانوا يتحاكمون إليهم في الجاهليَّة، ويخبرونهم بأخبار الغيب ممَّا يدَّعيها وما تُلْقِيهِ الشَّياطينُ.
فلمَّا أراد اللهُأَنْ يُنْقِذَ البشريَّةَ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وَبُعِثَ، حُرِسَتِ السَّمَاءُ بِشُهُبٍ وملائكةٍ، فلم تستطع الشَّياطينُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ.
فلمَّا حِيلَ بَيْنَ الشَّياطين وبين خَبَرِ السَّماء، فقالوا: ما حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّماء إلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، انْطَلَقُوا، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فانظروا ما هذا الَّذي حَدَثَ.
قَالَ: فانطلقوا يضربون مشارقَ الأرض ومغاربَها، يتتبَّعون ما هذا الَّذي حال بينهم وبين خبر السَّماء؛ وجاءوا إلى مكَّة، فوجدوا الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي يقرأ القرآنَ، وَعَرَفُوا سرَّ وَسَبَبَ الظَّاهرة.
وهؤلاء الجِنُّأَسْلَمُوا؛ لأنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - مَبْعُوثٌ إلى الإنس والجنِّ.
ولمَّا سمعوه أَعْجَبَهُمْ وتلذَّذوا به، فَأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِهَذِهِ الوَاقِعَةِ.
قوله: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا} : أي عظيمًا. وقيل: «عجبًاأَيْ في حُسْنِ نَظْمِهِ وَصِحَّةِ معانيه» .
فهو عجيبٌ مِنْ كلِّ وَجْهٍ في أسلوبه وأخباره وتلذُّذ الأَسْمَاعِ به.
هذا القُرْآَنُأَمْرُهُ عَجِيبٌ، ولا يمكن أن يُقَاوَمَ بِأَيِّأُسْلُوبٍ كان.
هذا القرآنُ كَلامُ الله، لا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلا يَخْلُقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ.
فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعظمتهوهدايته للرُّشْدِ.
أجملُ شيءٍ كان عند العرب المعلَّقات العشر:
والمنصفُ إذا نظر إليها حَقِيقَةً وجدها تَافِهَةً، وكلُّها تدور حول ذكر الحبيب والدِّيار والمنازل والآثار. انظر إلى هذا البيت: