فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 581

«قفا بنا نبكي من ذكرى حبيبٍ ومنزل» الشَّطْرُ الأوَّلُ له معنى، لكن الشَّطر الثَّاني «بِسَقْطِ اللَّوى بين الدَّخول فَحَوْمَلِ» مالَهُ مَعْنًى وَجِيهٌ.

والمَقْصُودُأَنَّ اللهَأَعْطَانَا كتابًا عجيبًا، ونوَّع فيه الأساليب بشكلٍ لا يترك للمنصف عذرًا.

قوله: {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} : أي إلى الحقِّ والصَّواب.

وفي سورة الأحقاف: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَاِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} .

قوله: {فَآَمَنَّا بِهِ} : أي بالقرآن وَبِكُلِّ ما فيه.

قوله: {وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} : تبرَّؤوا من الشِّرْكِ؛ لأنَّ العِبَادَةَ حَقٌّ لله وَحْدَهُ.

قوله: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} : أي: تَعَالَى وَتَعَاظَمَ شأنُه وارتفع. و {جَدُّ رَبِّنَا} أَيْ: جَلالُهُ وَغِنَاهُ وَسُلْطَانُهُ وَعَظَمَتُهُ.

قوله: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} : أي: لم يتَّخذ زَوْجَةً ولا ولدًا كما يقول كفَّارُ الإنس والجنِّ؛ فالنَّصَارَى يقولون: عيسى ابْنُ الله، واليهودُ يقولون: عُزَيْرٌ ابْنُ الله، والعرب قالوا: اتَّخَذَ بَنَاتٍ.

واللهُ مُنَزَّهٌ عن الولد؛ {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

نزِّهوا اللهَ عن اتِّخاذ الصَّاحبة والولد؛ لِكَمَالِ غِنَاهُ وَعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.

{وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} : جَاهِلُنَا أو إِبْلِيسُ.

وقيل: «إنَّهُ عَامٌّ في كلِّ مَنْ يقول إنَّ لله وَلَدًا أو صاحبةً؛ فَهُوَ سَفِيهٌ» .

قوله: {شَطَطًا} :أي باطلًا.

ويستفاد من هذه الآيات: أنَّ الجِنَّ لمَّا سمعوا القرآن، وُفِّقُوا للتَّوحيد والإيمان، تنبَّهوا على الخطأ فيما اعتقده كَفَرَةُ الجنِّ مِنْ تَشْبِيهِ الله بِخَلْقِهِ، واتِّخاذه صاحبةً وولدًا، فاستعظموه، ونزَّهوه عنه.

قوله: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} : هذا حِكَايَةُ كلامِ مُؤْمِنِي الجنِّ؛ اعتذروا عمَّا كانوا يعتقدونه؛ بِخِلافِ ما سمعوا من الرُّشْدِ، استبعدوا أن يجتمع الإنسُ والجِنُّ على الباطل والكذب.

أي: كان في ظَنِّنَا أنَّأَحَدًا لن يكذب على الله بِنِسْبَةِ الصَّاحبة والولد إليه، فكنَّا نصدِّقهم فيما أضافوا إليه، حتَّى تَبَيَّنَ لنا بالقرآن كَذِبُهُمْ.

لَكِنِ العَقِيدَةُ لا يُعْتَمَدُ فيها الظَّنُّ؛ لأنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي عن الحقِّ شَيْئًا.

قوله: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} :كان الجِنُّ في الجاهليَّة مسيطرون على الإنس، وإنَّه كان رِجَالٌ من الإنس يستجيرون برجالٍ من الجنِّ في أسفارهم إذا نزلوا منازلَهم.

فكانت الاستعاذةُ في الجاهليَّة: «نعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهاء الجِنِّ» .

فلمَّا جاء الإسلامُ، عاذوا بالله وتركوهم، فالمستعاذُ به هو اللهُوَحْدَهُ ربُّ الفَلَقِ، وَرَبُّ النَّاسِ، وَمَلِكُ النَّاس، وَإِلَهُ النَّاسِ الَّذي لاينبغي الاستعاذةُإلاَّ به، ولا يستعاذ بأحدٍ مِنْ خَلْقِهِ.

كلمةُ «رجالٍ» تَسْمِيَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِ: {من الجن} ولذلك يقال: رِجَالٌ من الحجارة، ورجالٌ مِنْ خَشَبٍ.

قوله: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} : أي خوفًا، فصار الإنسُ يخافون مِنَ الجِنِّ.

فَزَادَ الإِنْسُ الجِنَّ تَعْظِيمًا، وإعجابًا، وَكِبْرًا، وَتَسَلُّطًا، وَإِثْمًا، وَشَرًّا، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ سَادُوا الإِنْسَ والجِنَّ، وَزَادَ الجِنُّ الإِنْسَ خَوْفًا، وقلقًا، وَرَهَقًا، وإثمًا؛ لاستعاذَتِهِمْ بِهِمْ.

واستمتع الجنُّ بالتَّعظيم لهم، واستمتع الإنسُ بِمُسَاعَدَةِ الجِنِّ لهم.

وكلاهما بَاطِلٌ؛ فلمَّا جَاءَ الإِسْلامُ عَاذُوا بالله وَتَرَكُوهُمْ؛ لأنَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ، ولذا نَزَلَتْ سُورَتَا المُعَوِّذَتَيْنِ؛ لِتَعْلِيمِ الاستعاذة بالله- تعالى- وَحْدَهُ، والتَّبَرُّؤِ من الاستعاذة بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت