فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 581

وجاء الإسلامُ باستعاذةٍ عظيمةٍ ليست مِثْلَ استعاذةِ الجاهليَّة؛ فَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا يقول: أَعُوذُ بكلمات الله التَّامَّة من شَرِّ ما خَلَقَ، فَيَسْتَعيذَ المُؤْمِنُ بكلمات الله القرآنيَّة والقَدَرِيَّةِ الَّتي لا يتجاوزها بَرٌّ ولا فَاجِرٌ.

أَعْظَمُ دَرْسٍ-أيُّهَا المُسْلِمُ - ألاَّ تَخَافَ من الجنِّ؛ فإنَّهُ مَخْلُوقٌ ضَعِيفٌ لا يضرُّ أحدًا إلاَّ بِإِذْنِ الله.

فالخوفُ مِنْ غَيْرِ الله مَنْهِيٌّ عنه، والخوفُ مِنَ الله - جلَّ وعلا - مَأْمُورٌ به، وهذا الخَوْفُ مَنْهِيٌّ عنه سَوَاءٌ كان من الجِنِّ أو غيرهم.

والخَوْفُ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ؛ فَمَنْ لَمْ يَخَفْ مِنَ الله، اتَّبَعَ هَوَاهُ.

والخوف على أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:

-النَّوْعُ الأوَّلُ: الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ، كالخوْفِ مِنْ عَدُوٍّ، أو سَبُعٍ، أو حَيَّةٍ، فهذا ليسَ بعِبادةٍ، ولا يُنافِي الإيمانَ، فلا يُلامُ إذا انعقدت أَسْبَابُهُ.

-النَّوعُ الثَّاني: خوفُ «السِّرِّ» وهوَ أن يَخافَ مِنْ غيرِ اللهِ مِنْ وَثَنٍ أو وَلِيٍّ مِن الأولياءِ بعيدٍ عنه؛ أن يُصيبَهُ بمَكروهٍ.

وهذا الخَوْفُ هوَ الوَاقِعُ بينَ عُبَّادِ القبورِ والمتعلِّقينَ بالأولياءِ.

-النَّوْعُ الثَّالِثُ: أن يَتْرُكَ الإنسانُ ما يَجِبُ خَوْفًا مِن النَّاسِ، كأن يَتْرُكَ الأَمْرَ بالمعروفِ، والنَّهْيَ عن الْمُنْكَرِ، خَوْفًا مِن النَّاسِ. فهذا خَوْفٌ مُحَرَّمٌ مَذْمُومٌ.

-النَّوْعُ الرَّابِعُ: خَوْفُ تَعَبُّدٍ وتَعَلُّقٍ. فالإنسانُ إذا لم يَخَفْ مِن اللهِ، اتَّبَعَ هَواهُ، فيَدعوهُ الخوفُ لطاعتِهِ.

وهذا النَّوْعُ هوَ خَوْفُ التَّعَبُّدِ والتأَلُّهِ الَّذي يَحْمِلُ علَى الطَّاعةِ، والبُعْدِ عن الْمَعْصِيَةِ، وهذا خاصٌّ باللهِ تعالى.

فالخَوْفُ مِنْهُ شِرْكٌ، كَخَوْفِ السِّرِّ، ومنه مُحَرَّمٌ، كَتَرْكِ طَاعَةٍ، وَمِنْهُ جَائِزٌ طَبِيعِيٌّ؛ {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} .

الخَوْفُ مِنَ الجِنِّ فيه تَفْصِيلٌ:

-إذا كان خوفًا طبيعيًّا، كما يخاف الإنسانُ من كلِّ ما يتوقَّع ضررُه، كالسَّبُعِ والحَيَّةِ، فهذا خَوْفٌ جِبِلِّيٌّ كالأوَّل.

أمَّا إذا كان خوفًا ناتجًا عن اعتقادٍفاسدٍ، كأن يعتقد أنَّهم يضرُّون وينفعون من دون الله، فهذا من الشِّرْكِ.

وهذا النَّوْعُ من الخوف يسمُّونه «خَوْفَ السِّرِّ» ومعناه: أن يَخَافَ العَبْدُ مِنْ غَيْرِ الله- تعالى - أَنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وإن لم يُبَاشِرْهُ. فهذا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لأنَّه اعْتِقَادٌ للنَّفْعِ والضُّرِّ في غير الله.

قوله: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ} : وأنَّ الجِنَّ {ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ} يا أَهْلَ مَكَّةَ {أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا} بَعْدَ المَوْتِ.

أي أَنَّ الجِنَّ كانوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَإِنْكَارِكُم، ثمَّ بِسَمَاعِ القرآن اهْتَدَوْا وَأَقَرُّوا بالبعث، فهلاَّ أقررتم كما أقرُّوا.

وقيل: «إنَّهم ظَنُّوا - أي حَسِبُوا -ألاَّ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولًا يَدْعُوهُم إلى توحيده» .

بعدما ذَكَرَ دُخُولَ الجنِّ في الإيمان، واستماعهم للقرآن، هنا ذكر ما حصل لهم من استغرابٍ، وما شاهدوه في السَّماء.

قوله: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} : أنَّا طَلَبْنَا السَّمَاءَ وَأَرَدْنَاهَا.

قوله: {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا} : أي حَفَظَةً من الملائكة الشِّدَادِ.

قوله: {وَشُهُبًا} :أي شُهُبًا تُرْمَى من الكواكب على الشَّياطين، وهي انْقِضَاضُ الكَوَاكِبِ المُحْرِقَةِ لهم، والنَّجْمُ ثَابِتٌ، إنَّما يَخْرُجُ مِنْهُ نَارٌ مُحْرِقَةٌ للشَّياطين، فتقتلَه أو تُخْبِلَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت