فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 581

قوله: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِفَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} : {كُنَّا نَقْعُدُ} أَنْ نَتَّخِذَ مَوَاضِعَ؛ أي: لاستماع خَبَرِ السَّمَاءِ.

لَمْ يَكُنِ انْقِضَاضُ الكَوَاكِبِ إلاَّ بعد مَبْعَثِ النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو آَيَةٌ مِنْ آَيَاتِهِ.

الله- تعالى - حَرَسَ السَّمَاءَ من الشَّياطين بالملائكة الشِّداد، وبالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ؛ فلا يستطيعون استراقَ السَّمْعِ.

قوله: {مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا} :أَيْ: مُلِئَتْ حَفَظَةً وَرَوَاجِمَ.

والسَّبَبُ: حتَّى لا تَسْتَرِقَ الشَّياطينُ الوَحْيَ؛ فَحَمَى اللهُ القُرْآَنَ مِنْ تَدَخُّلِ الشَّياطين، وإدخال باطلٍ معه.

وكان القُرْآَنُ يَصِلُ إلى نبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - بواسطة جبريل، وليس فيه أَيُّ بَاطِلٍ.

فهذا القُرْآَنُ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ الله، وَقْتَ نُزُولِهِ، وَوَقْتَ بَقَائِهِ في الأرض، حتَّى يَرْفَعَهُ اللهُ، وَيَمْحُوه من الكتب والصُّدور في آخر الزَّمان.

وَمَحْفُوظٌ من الزِّيادة والنُّقْصَانِ، كما في قَوْلِهِ تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} .

فالقُرْآَنُ نَزَلَ متضمِّنًا للحقِّ، وبالحقِّ نَزَلَ؛ أي: بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ - عليه السلام - مَحْفُوظًا محروسًا لا يتطرَّق إليه زِيَادَةٌ ولا نُقْصَانٌ.

{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} أي: عَزِيزَ الجَانِبِ، رَفِيعَ المكانة {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} أَيْ: مَحْفُوظٌ وَقْتَ النُّزول، وَوَقْتَ بَقَائِهِ.

قوله: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} : علموا أنَّ سَبَبَ المَنْعِ لأمرٍ عَظِيمٍ؛ إمَّا عَذَابٍ أَوْ رَحْمَةٍ.

{أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} : أي عَذَابًا. يقول - عزَّ وجلَّ - مخبرًا عن قِيلِ هؤلاء النَّفَرِ من الجنِّ وأدبهم مع الله؛ فَمَا نَسَبُوا الشَّرَّ إليه، وإن كان من الله، لكن لا يوصف ما يأتي من الله شرًّا؛ لأنَّ كلَّ ما يأتي من الله إمَّا خَيْرٌ وَفَضْلٌ، أَوْ عَدْلٌ وَجَزَاءٌ، فَنَزِّهُوا الله- تعالى - عن الشَّرِّ.

وفي سورة الأحقاف: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} فَذَكَرَ اللهُأَدَبَهُم مع القُرْآَنِ.

وهنا ذَكَرَأَدَبَهُمْ مع الله؛ فَأَدَبُهُمْ مع القُرْآَنِ قَالُوا: أَنْصِتُوا. فلمَّا قُضِيَ، لَمْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَأن يَنْتَهِيَ، وهذا ما أدَّبَنَا اللهُ بِهِ، وهذا أَدَبُ الجِنِّ لمَّا سَمِعُوا القُرْآَنَ.

أمَّا أَدَبُ الإنس مع القرآن فماذا قالوا؟ يقول الله- تعالى - في سورة الإسراء: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} ؛ أَيْ: يَتَنَاجُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ يتكلَّم بعضُهم مع بَعْضٍإعراضًا.

والجنُّ يُسْكِتُ بعضُهم بعضًا؛ يَقُولُ الله تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} .

والمُفْتَرَضُ إذا حصلت مَوْعِظَةٌ وكان هناك من يتحدَّث أن يُؤْمَرَ بالإنصات.

وأيضًا قال كفَّارُ قُرَيْشٍ: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} أَيْ: شَوِّشُوا عليه.

وهذا يَحْصُلُ في بعض الأَعْرَاسِ من بَعْضِ الغَوْغَاءِ إذا سَمِعَ متحدِّثًا يذكر الناس بالله فيتناجى مع عِدَّةُ أَشْخَاصٍ في المجلس؛ لعدم رغبته في الخير ولكونه معرضا.

وهؤلاء يشغلونه بالأحاديث مع أنَّها قَصِيرَةٌ، لكنَّ الشَّيْطَانَ يستخدم مِثْلَ هؤلاء، وَغَرَضُهُمُ التَّشْوِيشُ.

سبحان الله! هؤلاء النَّفَرُ من الجنِّ سمعوا القرآنَ مرَّةً واحدةً، فماذا قالوا؟ وماذا فَعَلُوا؟

تَأَدَّبُوا مع الله، وتأدَّبوا مع القرآن، ثمَّآَمَنُوا، ثمَّ وَلَّواإلى قومهم منذرين.

سَارَعَ فَرِيقٌ من الجنِّ عند سماع القرآن إلى الإيمان والدَّعوة إليه.

واليوم يقرأ أحدُنا القرآنَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، فلا يتأثَّر، ولا يفهمه، ولا يدعو غَيْرَهُ إليه؛ «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْآَيَةً» رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت