وَجَعَلَ اللهُ الحِكَمَ والفَوَائِدَ الَّتي في الصِّيام من حصول التَّقْوَى، والوقاية من الأخلاط الرَّديئة، والوقاية من الأخلاق الرَّذيلة موجودةً أيضًا في القيام: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ - تعالى -وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ، وَمَطْرَدَةٌ للدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ» «صَحِيحُ الجَامِعِ» .
وإذا كان القِيَامُ مَسْنُونًا، وتطوُّعًا، ومرغَّبًا فيه، فإنَّه في رمضان آَكَدُ، وفي العَشْرِ الأَوَاخِرِ منه آَكَدُ، بل كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يُولِي القِيَامَ- وبالأخصِّ في رمضانَ - مَزِيدًا من الاهتمام، والجِدِّ، والاجتهاد.
فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كَانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجْتَهِدُ في رَمَضَانَ مَا لاَ يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ، وَفِي العَشْرِ الأواخِرِ مِنْهُ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ."رواه مسلمٌ.
وَكَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَجْتَهِدُ في العشر الأَوَاخِرِ، وَفِي الأَوْتَارِ مِنْهَا؛ طَلَبًا لِلَيْلَةِ القَدْرِ.
ويكفي في فَضْلِهَا أنَّ اللهَأَنْزَلَ سُورَةً كَامِلَةً في فَضْلِهَا.
وَمِنْ فَضَائِلِهَا أنَّ اللهَأَنْزَلَ القُرْآَنَ فِيهَا، و هو الَّذي به الهُدَى، والسَّعَادَةُ في الدُّنْيَا والآَخِرَةِ.
وَمِنْ فَضْلِهَا أَنَّ مَنْ قَامَ لَيْلَةً غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ؛ فَقَدْ تَفُوتُ الصَّائِمَ المَغْفِرَةُ في الصِّيَامِ، فلعلَّها لا تَفُوتُهُ في القيام.
وَمَا شَرَعَ اللهُ لَنَا الاعتكافَ إلاَّ مِنْأَجْلِهَا.
والدُّعَاءُ فيها مُسْتَجَابٌ كما في حديث عائشة؛ إذا وَافَقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ مَاذَا أَقُولُ؟ فَقَالَ: «قُولِي اللَّهُمَّإنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رواه أحمد و الترمذي و النسائي ابن ماجة؛ لأنَّه إذا عَفَا عَنْكَ، رَفَعَ عَنْكَ العُقُوبَةَ.
بَقِيَ ماذا؟ بَقِيَ في أيِّ شَهْرٍ لَيْلَةُ القَدْرِ؟ وفي أيِّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ هي في رَمَضَانَبِنَصِّ القُرْآَنِ.
وَقَدْ جَمَعَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، فَأَجْمَعُوا على أنَّها في رَمَضَانَ، وأنَّها في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَحَثَّ عَلَى تَحَرِّيهَا في الأَوْتَارِ مِنْهَا، ثمَّ اختلفوا في أيِّ لَيْلَةٍ.
فَقَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَالَكَ لا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: «إِنَّهَا فِي سَابِعَةٍ مَضَتْ أَوْ فِي سَابِعَةٍ بَقِيَتْ» . ومعنى سابعة مَضَتْ؛ ليلةُ سِتٍّ وعشرين، وسابعةٍ بَقِيَتْ؛ لَيْلَةُ ثلاثٍ وَعِشْرِينَ».
وهل لَيْلَةُ القَدْرِ ثَابِتَةٌأم مُتَنَقِّلَةٌ؟ هي مُتَنَقِّلَةٌ على الصَّحيح، ولا يلزم أن تكون مستقرَّةً في ليلةٍ واحدةٍ في كلِّ السَّنوات.
-حِكْمَةُإِخْفَائهَا: أَخْفَاهَا اللهُ عَنْ عِبَادِهِ لِحِكْمَةٍ؛ حَتَّى يستكثرَ المؤمنُ من العمل الصَّالح، وَيَجْتَهِدَ في رمضانَ كلِّه، وَيُكْثِرَ المؤمنُ العَمَلَ الصَّالِحَ؛ طَلَبًا لليلة القَدْرِ؛ لأنَّه لَمَّا وَسَّعَ وَقْتَ تَحَرِّيهَا، اجْتَهَدَ الجَمِيعُ في طَلَبِهَا، لَكِنْ لَوْ عُلِمَأنَّها في ليلةٍ وَاحِدَةٍ، اجْتُهِدَ فيها فقط.
-وعلاماتها: يَكُونُ فيها نُورٌ وَإِضَاءَةٌ كأنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، وَقَدْ لا تُرَى أَوْ تُلْحَظُ في المدن.
ومنها حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، وَيَحِسُّ بها المؤمنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، وَيَجِدُ انشراحًا، ومنها حلاوةُ المناجاة ولذَّتُهَا.
وقد يُكْرِمُ اللهُ مَنْ يَشَاءُ بِرُؤْيَتِهَا في المنام، كما رآها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، والشَّمْسُ صَبِيحَتُهَا بلا شعاعٍ.
قوله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} :أَيْ: مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ القَدْرِ.
وَرَدَ في سَبَبِ نُزُولِهَا أنَّ رَجُلًا لَبِسَ سِلاحَهُ في سَبِيلِ الله أَلْفَ شَهْرٍ فَتَمَنَّى الصَّحَابَةُ ذلك، فبشَّرهم نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَعْدِلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُأبي حاتمٍ والطَّبَرِيُّ عن مجاهدٍ مُرْسَلًا.
وقيل: «إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - تَقَاصَرَأعمارَأُمَّتِهِ، وأعطاه اللهُ ليلةَ القَدْرِ؛ يعوِّضون بها ما فاتهم من طول العمر» .
فهذا نُوحٌ مكث ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عامًا، وكلما طالت الأعمالُ كثرت الأعمالُ الصَّالِحَةُ.
وقيل: «كان الرَّجُلُ لا يسمَّى عابدًا حتَّى يعبد الله أَلْفَ شَهْرٍ، فأعجبَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فتمنَّى ذلك لأمَّتِهِ، فأعطاه اللهُ لَيْلَةَ القَدْرِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ، العبادةُ فيها خَيْرٌ من ألف شَهْرٍ» .