فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 581

فإن أعجزه العبدُ من هذه المراتب السِّتِّ، سَلَّطَ عليه حِزْبَهُ من الإنس والجنِّ بأنواع الأذى، والتَّكفير، والتَّضليل، والتَّبديع، والتَّحذير منه.

قوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} .

لَمْ يَقُلْ سبحانه وتعالى: {في قلوبهم} ؛ لأنَّ الصُّدُورَ سَاحَةُ القلب وَبَيْتُهُ؛ فهو بمنزلة الدِّهْلِيزِ له، والقلبُ مَحَلُّ الأوامر، ثمَّ تخرج إلى الجُنُودِ، ثمَّإنَّ القلوبَ في الصُّدور.

يقول اللهُ تعالى: {وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

فَمَكَانُ وَسْوَسَةِ الشَّيطان في الصَّدْرِ، وَتَصِلُإلى القَلْبِ؛ لأنَّهُإذا فَسَدَ، فَسَدَتِ الجَوَارِحُ، وَإِذَا صَلُحَ القَلْبُ، صَلُحَتِ الجَوَارِحُ.

وليس للشَّيطان سلطانُ قُدْرَةٍ، أَوْ سُلْطَانُ حُجَّةٍ، إنَّما قُدْرَتُهُ في الوَسْوَسَةِ.

تصوَّر مؤمنًا تَقِيًّا يمشي مع أشرارٍ يَدْعُونَهُإلى المعاصي، فيقول: مَعَاذَ اللهِ. وفي المقابل فَاسِقٌ يصاحب الأشرارَ، فهل سيقول معاذَ اللهِ لو دُعِيَإلى مَعْصِيَةٍ.

ويُطْرَدُ الوسواسُ بِأَمْرَيْنِ:

-بالاستعاذةِ منه، والإتيان بالطَّاعات، والتَّحصُّن بالذِّكر، ويتخلَّص منه بالصِّيام.

-والأَمْرُ الثَّاني: لايتكلَّم، ولا يعمل به؛ فإنَّه لايَضُرُّهُ.

خَوَاطِرُ النَّفْسِ حَصَلَتْ للصَّحَابَةِ. رَوَى مُسْلِمٌ في «صَحِيحِهِ» عن أبي هريرة قال: جاء نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فسألوه: إنَّا نَجِدُ في أنفسِنَا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلَّم به؟ قال: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ» .

فلمَّا كَرِهَ تلك الوساوس في جانب الله والرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والدِّين، كان ذلك صَرِيحَ الإيمان، أمَّا إذا تكلَّم بها فهي تَضُرُّهُ.

فَذَكَرَأَوَّلًا وَسْوَسَتَهُ، ثمَّ ذَكَرَ مَحَلَّهَا.

قوله: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} .

أي: المُوَسْوِسُ في صدورهم قِسْمَانِ؛ إِنْسٌ، وَجِنٌّ. فيوسوس الشَّيْطَانُللجِنِّيِّ، كما يُوَسْوِسُ للإنسيِّ، والوسوسةُإلقاءٌ خَفِيٌّ في القلب، وهو مُشْتَرَكٌ بين الجِنِّ والإنس، وهذا هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ أنَّ المُسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الجِنِّ فقط.

وَسُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا من الاجتنان؛ وهو الاستتارُ؛ فالجنُّ عَالَمٌ خَفِيٌّ يَرَوْنَنَا ولا نراهم؛ فهم مستترون عن أَعْيُنِ البَشَرِ، فَسُمُّوا جِنًّا لذلك.

ومنه سُمِّيَ الجَنِينُ في بطن أُمِّهِ؛ لاسْتِتَارِهِ في بَطْنِأُمِّهِ، وَسُمِّيَ المِجَنُّ؛ وهو الدِّرْعُ المحارَبُ به المُسْتَتَرُ بِهِ مِنْ سِلاحِ خَصْمِهِ، ومنه المجنونُ؛ لاستتارِ عَقْلِهِ.

وَسُمِّيَ الإنسانُ والإنسُ؛ لأنَّهُ مُشْتَقٌ من الإيناسِ، وَهِيَ الرُّؤْيَةُ والإحساسُ، وَسُمِّيَ الإنسانُإِنْسَانًا من النَّوَسِ؛ وهي الحركةُ المتتابِعَةُ.

أمَّا قَوْلُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الإِنْسَانَ سُمِّيَ لأنَّه يَنْسَى، فَضَعَّفَهُ بَعْضُأَهْلِ اللُّغَةِ.

وعلى كلٍّ، فالمقصودُ بالنَّاس: اسْمٌ لِبَنِي آَدَمَ.

وشياطينُ الإنس والجنِّ يشتركان في الوَحْيِ الشَّيْطَانِيِّ، ويشتركان في الوَسْوَسَةِ.

وَيُؤَيِّدُهُكما في البخاريِّ عن عائشة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ المَلائِكَةَ تُحَدِّثُ فِي العَنَانِ - والعنانُ الغمامُ - بالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَسْتَمِعَ الشَّيَاطِينُ الكَلِمَةَ، فَتُقِرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقِرُّ القَارُورَةَ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ مِنْ عِنْدِأَنْفُسِهِمْ» .

فتدلُّ هذه الآَيَةُعلى الاستعاذةمن شَرِّ نَوْعَيِ الشَّياطين؛ شياطينِ الإنس، وشياطينِ الجنِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت