لا يضيع أجر من أحسن عملا.
ولا عجب في ذلك فإن فضيلة السكينة تولد في صدر الإنسان، وتنمو بذكر الله جل جلاله، وهو أشرف الأعمال، وذكر الله هو الذي يقوي الإيمان، ويوطد اليقين، ومن اعتمد على الله وقاه وكفاه، فازداد سكينة على سكينته.
ولقد امتن الله تبارك وتعالى على رسوله بفضيلة السكينة بين صفاته، فجاء في الكتب القديمة من وصف الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: «إني باعث نبيا أميا، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا، أسدده بكل جميل، وأهب له كلّ خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه» .
وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون الرابطة بين السكينة والتوفيق في الجهاد، لأن السكينة يتبعها الإقدام والثبات، ولذلك نرى عبد الله ابن رواحة أحد شعراء الرسول يصوغ للمسلمين يوم الخندق نشيدا يرددونه، ويرجو فيه ربّه أن يجملهم بفضيلة السكينة فيقول:
لا همّ لو لا انت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ولقد قال عبد الله بن مسعود: «السكينة مغنم، وتركها مغرم» .
وبقيت الآية السادسة التي ذكرت فيها السكينة، وهي تستحق أن نفردها بجانب من هذا البحث، وهي التي يقول الله تعالى فيها في سورة البقرة:
(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) .
ومعنى السكينة المتبادر للذهن هنا هو أن الله تعالى جعل التابوت الذي أرسله إليهم سبب سكون واطمئنان لقلوبهم، وقد قال ابن عطية: الصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى. فالسكينة هنا يراد بها أيضا معنى الطمأنينة والسكون.