فهرس الكتاب

الصفحة 1064 من 1257

أي منهم فريق معتدل لا يشتط ولا يسرف، والكثرة مفسدة ظالمة مسرفة، وان كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون.

وتفيد هذه الآية أن من أهل الكتاب أمة مقتصدة وهم المؤمنون - قيل كالنجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام - اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد صلّى الله عليهما وسلم ما لا يليق بهما. وقد جاء في تفسير «المنار» عن الآية الماضية قوله:

«منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون» أي منهم جماعة معتدلة في أمر الدين، لا تغلو بالافراط ولا تهمل بالتقصير. قيل هم العدول في دينهم، وقيل هم الذين أسلموا منهم. والمعتدلون لا تخلو منهم أمة، ولكنهم يكثرون في طور صلاح الأمة وارتقائها، ويقلون في طور فسادها وانحطاطها. وهل تهلك الأمم إلا بكثرة الذين يعملون السوء من الاشرار وقلة الذين يعملون الصالحات من الأخيار، وهؤلاء المعتدلون في الأمم هم الذين يسبقون إلى كل صلاح وإصلاح يقوم به المجددون من الأنبياء في عصورهم، ومن الحكماء في عصورهم، ولما جاء الإصلاح الإسلامي على لسان خاتم النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم قبله المقتصدون من أهل الكتاب ومن غيرهم، فكانوا مع اخوانهم العرب من المجددين للتوحيد والفضائل والآداب، والمحيين للعلوم والفنون والعمران، فهل يعتبر المسلمون بذلك الآن ويعودون إلى إقامة القرآن، وأخذ الحكمة من حيث يجدونها، وعدد الإصلاح والسيادة من حيث يرونها، أم يفتأون بسلكون سنن من قبلهم في طور الفساد والإفساد شبرا بشبر وذراعا بذراع، ومنه الغرور بدينهم مع عدم إقامة كتابه والتبجح بفضائل نبيهم على تركهم لسننه وآدابه».

ومن مواطن ذكر فضيلة القصد في القرآن الكريم ما جاء في سورة النحل في قوله تبارك وتعالى:

«وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» (1) .

والسبيل القاصد كما عرفنا هو الطريق المستقيم الذي لا ينحرف ولا يلتوي كأنه يقصد قصدا إلى غايته في اعتدال وسداد، بخلاف الطريق الجائر، فهو المنحرف الذي لا يوصل إلى الغاية ولا يقف عندها. ومعنى الآية أن الله سبحانه يبين الطريق المستقيم المعتدلة بالرسل والبراهين - وهي طريق الإسلام - ومن الطريق ما يكون جائرا ومنحرفا عن الحق فلا يهتدي به، والمقصود بأهل الطريق الجائر والله أعلم هم أهل الأهواء المختلفة وأهل الكفر.

وجاء في سورة فاطر قوله تعالى:

«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» (2) .

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء، وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله هذه الآية:

(1) سورة النحل الآية 9.

(2) سورة فاطر، الآية 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت