فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1257

والسكينة - كما يقول الإمام ابن القيم - من أعظم مواهب الحق سبحانه ومنحه، ومن أجل عطاياه، ولهذا لم يجعلها في القرآن إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أعطيها فقد خلعت عليه خلع الولاية وأعطي منشورها، وهذا القول له ما يسوغه، لأن السكينة تورث الإنسان خشوعا في الطاعة، ويقظة في العبادة، وتعظيما للمعبود جل جلاله، كما تورثه محاسبة النفس، ومراقبة الخالق، وحسن معاملة الخلق، والرضا بالقضاء، وتورثه أن يجعل عقله أمام لسانه، فلا ينطق إلا بميزان، وتورثه ألا يكون عبدا لشهوته أو انفعاله أو عاطفته، بل هو يتلبث ويتريث ولا يتصرف إلا بحكمة، ولا يتحرك إلا على نور.

وصاحب فضيلة السكينة تتكشف له دلائل الإيمان وحقائق اليقين، ويظهر له الفرق الجليّ بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، وبين الغيّ والرشد، ويزداد إيمانا على إيمانه كما قال الله جل جلاله، وإنما يستحق هذه السكينة أهلوها والصالحون لها، والمخلصون في الاهتداء إلى طريقها، ولذلك قال القائل الحكيم:

وتلك مواهب الرحمن ليست ... تحصّل باجتهاد، أو بكسب

ولكن لا غنى عن بذل جهد ... بإخلاص وجد، لا بلعب

وفضل الله مبذول، ولكن ... بحكمته، وعن ذا النصّ ينبي

فما من حكمة الرحمن وضع ال ... كواكب بين أحجار وترب

فشكرا للذي أعطاك منه ... فلو قبل المحلّ لزاد ربّي ..

ويتحدث ابن القيم عن تأثير السكينة في نفس صاحبها، وأنها تباعده عن الركون إلى الشهوات والسيئات، فيقول فيما يقول:

«صار سكونه إليها عوض سكونه إلى الشهوات والمخالفات، فإنه قد وجد فيها مطلوبه، وهو اللذة التي كان يطلبها من المعصية، ولم يكن له ما يعيضه عنها، فإذا نزلت عليه السكينة اعتاض بلذتها وروحها ونعيمها عن لذة المعصية، فاستراحت بها نفسه، وهاج إليها قلبه، ووجد فيها من الرّوح والراحة واللذة ما لا نسبة بينه وبين اللذة الجسمانية النفسانية، فصارت لذته روحانية قلبية، بعد ان كانت جسمانية، فانسلب منها، وحبس عنها، وخلّصته، فإذا تألقت بروقها قال:

تألق البرق نجديّا، فقلت له: ... يا ايها البرق، إني عنك مشغول

وإذا طرقته طيوفها الخيالية في ظلام ليل الشهوات، نادى لسان حاله، وتمثل بمثل قوله:

طرقتك صائدة القلوب، وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام

فإذا ودعته وعزمت على الرحيل، ووعدته بالموافاة، تمثل بقول الآخر،:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت