فهرس الكتاب

الصفحة 1142 من 1257

والمعنى أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن، فانهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلا بتوفيق الله تعالى، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ويقول الإمام محمد عبده: الغيب هنا ما يستحى من اظهاره، أي حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين، فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاص بالزوج.

ويشير تفسير المنار إلى أن هذا يشمل كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة، ولا سيما حديث الرفث، فما بالك بحفظ العرض، وقد قيل ان هذه العبارة هي أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة، تقرؤها خرائد العذارى جهرا، ويفهمن ما تومئ إليه مما يكون سرا، وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن الرقيق بأطراف أناملها، فلقلوبهن الامان من تلك الخلجات، التي تدفع الدم إلى الوجنات. ناهيك بوصل حفظ الغيب بما حفظ الله، فالانتقال السريع من ذكر ذلك الغيب الخفي، إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما يكون وراء الاستار، من تلك الخفايا والاسرار، وتشغلها بمراقبته عز وجل.

فهن حافظات للغيب بحفظ الله عز وجل، أي بالحفظ الذي يؤتيه الله لهن بصلاحهن. فإن المرأة الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة، قوية على حفظ الأمانة، أو حافظات له بسبب أمر الله بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى.

ومما يزكي حديث الحفظ والمحافظة في المجال الأخلاقي القرآني أن نجد الكتاب المجيد يقول في سورة ق:

«وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ» (1) .

وهو اللوح المحفوظ، أي حافظ لأعمال العباد، أو محفوظ لا يضيع، كقوله عز من قائل:

«عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى» (2) .

ويقول التنزيل الحكيم في سورة الأنعام:

«وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» (3) .

أي يرسل عليكم ملائكة مراقبين لكم من حيث لا تشعرون، يحصون أعمالكم، ويكتبونها عليكم، وهم الحافظون الذين أشار إليهم القرآن في سورة الانفطار:

«وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» (4) .

جاء في تفسير غرائب القرآن: «من جملة قهر الله إرسال الحفظة، وهي جمع حافظ على عبيده، بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات، لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله:

«ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (5) .

(1) سورة ق، الآية 4.

(2) سورة طه، الآية 52.

(3) سورة الأنعام، الآية 61.

(4) سورة الانفطار، الآية 10 - 12.

(5) سورة ق، الآية 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت