فهرس الكتاب
وهذا سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسّلام يوجهنا إلى التمتع الطيب والتزين الحميد فيقول: «إذا صلى احدكم فليلبس ثوبيه فإن الله عز وجل أحق من تزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى» .
ولقد كان الائمة من سلفنا الصالح يرون من المحمود للإنسان، المعدود في فضائله ومحامده أن يتمتع بالطيبات في غير اسراف ولا خيلاء فلقد كتب يحيى بن يزيد إلى مالك بن أنس رضي الله عنهما هذه الرسالة:
«بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على رسوله محمد في الأولين والآخرين من يحيى بن يزيد بن عبد الملك، إلى مالك بن أنس: أما بعد فلقد بلغني أنك تلبس الدقاق (الثياب الرقيقة المحكمة النسج) وتأكل الرقاق (أجود أنواع الخبز) ، وتجلس على الوطيء (الليّن) وتجعل على بابك حاجبا، وقد جلست مجلس العلم، وقد ضربت إليك المطيّ، وارتحل إليك الناس، واتخذوك إماما ورضوا بقولك، فاتق الله تعالى يا مالك، وعليك بالتواضع. كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ما اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى، والسّلام» .
فكتب إليه مالك بن أنس يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد: سلام الله عليك، أما بعد فقد وصل إليّ كتابك، فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب. أمتعك الله بالتقوى، وجزاك بالنصيحة خيرا، واسأل الله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق وألبس الدقاق، وأحتجب وأجلس على الوطيء، فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى، فقد قال تعالى: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق» . واني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه، ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسّلام».
ويقول القرآن الكريم في سورة آل عمران:
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» (1) .
وليس المراد ذم هذه الأشياء أو التنفير منها أو النهي عنها، وإنما المراد والله أعلم هو التحذير من أن تجعل غاية الحياة فينشغل الإنسان بها انشغالا يصرفه عن واجباته الاخرى نحو الله والناس.
جاء في تفسير المنار: «الكلام في هذه الشهوات بيان لما فطر عليه الناس من حبها وزينه في نفوسهم، وتمهيد لتذكيرهم بما هو خير منها، لا لبيان قبحها في نفسها كما يتوهم الجاهل، فإن الله تعالى ما فطر الناس على شيء قبيح، بل خلقهم في أحسن تقويم، ولا جعل دينه مخالفا لفطرته. بل موافقا لها كما قال: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون» . وكيف يكون حب النساء في أصل الفطرة مذموما وهو وسيلة اتمام حكمته تعالى في بقاء النوع إلى الاجل المسمى، وهو من آياته تعالى الدالة على حكمته ورحمته، كما قال:
«وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ
(1) سورة آل عمران، الآية 14.