فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1257

ونجد كل سورة من سور القرآن الكريم مبدوءة بقول الله جل جلاله: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) . ولفظ الرَّحْمنِ كما يقول بعض المفسرين يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان، على أنها من الصفات الثابتة الواجبة، فالرحمن هو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحمن هو الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدا. ويقول الإمام محمد عبده: «الرحمن الرحيم مشتقان من الرحمة، وهي معنى يلم بالقلب فيبعث صاحبه، ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان» .

وبعض العلماء يرى أن كلمة (الرَّحْمنِ) تفيد معنى الرحمة الشاملة التي تشمل المؤمنين وغيرهم، وأن كلمة (الرَّحِيمِ) تفيد معنى الرحمة المقصورة على المؤمنين، ولذلك يقال: الله تعالى رحمن الدنيا رحيم الآخرة، وذلك أن إحسانه في الدنيا يعم المؤمنين والكافرين، وفي الآخرة يختص بالمؤمنين، وعلى هذا قال القرآن المجيد: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) تنبيها على أنها في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين، وأنها في الآخرة مختصة بالمؤمنين.

وقد يعاون على هذا الفهم أن القرآن يقول في سورة الأعراف: (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . وقد علق الإمام ابن القيم على هذه الآية في «بدائع الفوائد» بقوله: «وقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه، فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان، فهو السبب في قرب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت