وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان، فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدا ببعد، وقربا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه، والإحسان ها هنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه».
والرسول عليه الصلاة والسّلام هو المثل الأعلى والقدوة الحسنة لأهل القرآن، وقد وصفه التنزيل المجيد في أكثر من آية بفضيلة الرحمة، فقال في سورة آل عمران: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) . وقال في سورة التوبة: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) . وقال في
سورة الأنبياء: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) إلى غير ذلك من الآيات. ولقد تحدث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه عن صفة الرحمة في نفسه الشريفة، فجاء عنه أكثر من حديث حول هذه الصفة، فقال: «أنا رحمة مهداة» . وقال: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا» . وحبب في الرحمة، وذكّر بثوابها وحسن عاقبتها، فقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى» . وقال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» . وقال: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . وقال: «من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة» . وأنذر من يتنكر لفضيلة الرحمة، فقال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» وقال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا» . وكأن الإمام علي بن أبي طالب اهتدى بهذا الهدي النبوي فقال في «نهج البلاغة» هذه العبارة: «ليتأس صغيركم بكبيركم، وليرأف كبيركم بصغيركم» .