ويعلق على هذا ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة فيقول: «وذلك ان المقدمات تدل على النتائج، والأسباب تدل على المسببات، وطالما كان الشيئان ليسا علة ومعلولا، وإنما بينهما أدنى تناسب، فيستدل بحال أحدهما على حال الآخر، وإذا كان كذلك. واشتبهت أمور على العاقل الفطن، ولم يعلم إلى ماذا تؤول، فإنه يستدل على عواقبها بأوائلها، وعلى خواتمها بفواتحها، كالرعية ذات السلطان الركيك الضعيف السياسة، إذا ابتدأت أمور مملكته تضطرب، واستبهم على العاقل كيف يكون الحال في المستقبل، فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها. ويعلم أنه سيفضي أمر ذلك الملك إلى انتشار وانحلال في مستقبل الوقت، لأن الحركات الأولى منذرة بذلك، وواعدة بوقوعه، وهذا واضح» .
وفي موطن رابع يقول الإمام علي «من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم» . ويعلق ابن ابي الحديد بأنه قد جاء في الحديث المرفوع: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» . وقوله: «من خاف أمن» أي من اتقى الله أمن عذابه يوم القيامة. وقوله: «ومن اعتبر أبصر» أي من قاس الأمور بعضها ببعض، واتعط بآيات الله وأيامه، أضاءت بصيرته، ومن أضاءت بصيرته فهم، ومن فهم علم. فإن قيل: الفهم هو العلم فما الحاجة إلى ان يقول: ومن فهم علم؟ فالجواب: إن الفهم هاهنا هو معرفة المقدمات، ولا بد أن تعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة، فمعرفة النتيجة هي العلم، فكأنه قال: من اعتبر تنور قلبه بنور الله تعالى، ومن تنور قلبه عقل المقدمات البرهانية، ومن عقل المقدمات البرهانية علم النتيجة الواجبة عنها، وتلك هي الثمرة الشريفة التي في مثلها يتنافس المتنافسون.
وفي موطن خامس يقول الإمام: «ما أكثر العبر وأقل الاعتبار» . وفي الشرح تأتي هذه العبارة:
«ما أوجز هذه الكلمة، وما أعظم فائدتها. ولا ريب ان العبر كثيرة جدا، بل كل شيء في الوجود ففيه عبرة، ولا ريب أن المعتبرين بها قليلون، وأن الناس قد غلب عليهم الجهل والهوى، وأرداهم (1) حب الدنيا، وأسكرهم خمرها، وان اليقين في الأصل ضعيف عندهم، ولو لا ضعفه لكانت أحوالهم غير هذه الأحوال» .
هذا وللاعتبار عند الأصحاء من الصوفية شأن وأي شأن، فإن الصوفي الصادق هو خير من ينظر ويفكر ويعتبر، وخير من يتذكر على الدوام قول القائل: