فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 1257

فاسِقُونَ). ولقد قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت حينما نال المسلمون رزقا ونعمة، ففتر بعضهم عما كان عليه، ويروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين» . ويا لها من تربية سامية عالية صارمة، تقوم على أساس القول المأثور: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» . وكذلك يروى أن عبد الله بن عباس قال في شأن هذه الآية: «إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن» .

وحينما أمر الله عباده بأمرين جليلين عظيمين هما الصبر والصلاة، أتبع أمره بالإشارة إلى أن التخلق بهما منزلة عالية ومهمة شاقة، لا تتيسر إلا للمتخلقين بخلق الخشوع الصادقين فيه، فقال في سورة البقرة: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) .

والمراد بالخاشعين هنا - والله أعلم بمراده - هم المتواضعون لله الخائفون منه، فإنهم - كما في «مجمع البيان» للمفسّر الطبرسي - قد وطّنوا أنفسهم على الصبر وإقام الصلاة، وقال مجاهد: أراد بالخاشعين المؤمنين، فإنهم إذا علموا ما يحصل لهم من الثواب بفعل الصبر والصلاة لم يثقل عليهم ذلك، كما أن الإنسان يتحمل مرارة الدواء لما يرجو به من نيل الشفاء.

وهذا هو «تفسير المنار» يتعرض للجملة القرآنية الكريمة: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) فيقول: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) أي لثقيلة شديدة الوقع، كقوله: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) إلا على المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى، فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة والصبر كلّ الخلائق الحسنة، لما تعطيه الصلاة من مراقبة الله تعالى، كما قال عز وجل: (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ) . فمن خواص الصلاة الصبر ونفي الجزع، ومن خواصها النهي عن الفحشاء والمنكر، ومن خواصها الجود والسخاء، فالمصلّي الحقيقي

هو البارّ الحقيقي، الذي لا يترك الحقّ لأجل شهوة، ولا لما يعرض له في معاملاته مع الخلق من خوف وخشية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت