فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 1257

هذا أثر صلاة الخاشعين بالإجمال، ولذلك قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) . ثم وصف الخاشعين وصفا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة به فقال: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) ، أي الذين يتوقعون لقاء الله تعالى يوم الحساب والجزاء، وأنهم إليه راجعون بعد البعث، لا مرجع لهم إلى غيره».

ومن المواطن التي تستلفت الأنظار وتثير الاعتبار أن القرآن جعل الخشوع في الصلاة أول صفة يذكرها لعباده المؤمنين المفلحين، ثم يذكر بعدها جملة صفات ذات شأن ومكانة، فيقول: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) أي قد فازوا بمأمولهم عند ربهم، لأنهم خائفون متذللون لله، مخلصون في الاتجاه إلى حماه، والخشوع في الصلاة يتحقق - كما أشار ابن كثير - لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون له راحة وقرة عين، والرسول عليه الصلاة والسّلام يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» . وكان إذا اشتد به أمر يقول لبلال مشيرا إلى الصلاة: «أرحنا بها يا بلال» .

ولقد اختلف العلماء في تحديد الخشوع المطلوب في الصلاة: أهو الشعور الداخلي القلبي المسيطر، المولّد للخوف والرهبة والهيبة من الله، أم هو السكون الخارجي الذي يظهر في تطامن الأعضاء وانقطاع حركتها أثناء الصلاة؟. والصواب أن الخشوع يشمل الأمرين معا، فهو فضيلة منبثقة من داخل الإنسان، تتمثل في آثار تظهر على الأعضاء، ولذلك يقول المفسر الرازي: «واختلفوا في الخشوع، فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف

والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات، ومنهم من جمع بين الأمرين، وهو الأولى، فالخاشع في صلاته لا بد أن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود، ومن المتروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكنا مطرقا ناظرا إلى موضع سجوده، ومن المتروك ألا يتلفت يمينا ولا شمالا».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت