فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 1257

ولقد عني الفقهاء والمفسرون بمسألة الخشوع في الصلاة، لأن الصلاة مناجاة لله، وإقبال على حماه، ولأنها أهم عبادة في دين الله. ولذلك أطالوا الحديث عن وجوب التحلي بفضيلة الخشوع في الصلاة، واستدلوا على هذا الواجب بأدلة كثيرة منها، أن الله تعالى يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) . والغفلة تناقض الذكر، فمن غفل في جميع صلاته لا يكون قد أقام الصلاة لذكر الله تعالى. ومنها أن الله تعالى يقول: (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) ، وظاهر هذا النهي هو التحريم، ومنها أيضا أن الله تعالى يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) ، والغافل غير الخاشع لن يعرف معنى ما يقوله في الصلاة، لأنه منصرف عنه مشغول بسواه.

ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

«إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع» . ولا يتحقق التمسكن والتواضع مع الغفلة. ومنها أن الرسول يقول: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» . وصلاة الغافل لن تمنعه عن الفحشاء والمنكر. ومنها أيضا أن النبي قال: «كم من قائم حظّه من قيامه التعب والنّصب» . وهو يعني بذلك الغافل في الصلاة. ومنها أنه قال: «ليس لعبد من صلاته إلا ما عقل» والغافل لا يعقل صلاته.

ونرى صاحب «مفاتيح الغيب» يد لي بدلوه في هذا الموضوع ثم يعقب قائلا: «ولا شك أن المقصود من القراءة والأذكار: الحمد والثناء والتضرع والدعاء، والمخاطب هو الله تعالى، فإذا كان القلب محجوبا بحجاب أخلاق القرآن (12)

الغفلة، وكان غافلا عن جلال الله وكبريائه، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة، فما أبعد ذلك عن القبول.

وبالجملة فكلّ عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة، إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلة لا بد فيها من الحضور».

وكذلك تحدث الفقهاء والعلماء عن مصير الصلاة التي تؤدّى بلا خشوع، ومن بينهم ابن القيم الذي ذكر أن المرء لا يكون له من الثواب على صلاته إلا بقدر ما عقل منها، وخشع لله فيها، لأن ابن عباس يقول: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» ولأن الله جل جلاله يقول: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) . ومعنى هذا أن من لم يخشع لم يكن من المفلحين، ولو كان له ثواب عليها لأفلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت