وأما الاعتداد بها في الدنيا من ناحية سقوط الفرض عن صاحبها فقالوا: إن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا، وتكون النوافل والأذكار بعدها جابرة لما فيها من نقص، وإن غلب عليها عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها، فإن فريقا من الفقهاء يوجب إعادتها لأنها صلاة لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها النجاح أو الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها.
وهذا يذكّرنا بقول الله سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) أي لا يخشعون فيها. ورضوان الله على حذيفة بن اليمان حين قال: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، وربّ مصلّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا» . ولعل السر في هذا القول هو أن الخشوع أمر باطني لا يراه الناس، فما أسرع المضيّعين إلى إضاعته، وأما الصلاة فعبادة بادية للعيان، فقد يأتيها أناس رياء أو اتقاء، بلا خشوع ولا اطمئنان.
والقرآن الكريم يجعل الخشوع صفة المؤمنين المتدبرين المميزين بين الحق
والباطل، فيقول في سورة الإسراء: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) . أي يزيدهم القرآن خشوعا، لأنه يزيدهم علما ويقينا بالله تعالى.
كما يجعل القرآن الكريم الخشوع من أخلاق المؤمنين الذين يعرفون الحق فيتبعونه، ولا يرضون به بديلا، فيقول في سورة آل عمران: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا: أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) .