فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 1257

كما يخبرنا كتاب الله العزيز أن الخشوع من أخلاق الأنبياء وآلهم، فيقول في سورة الأنبياء: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) . وكأن القرآن يريد أن يقول إن الخشوع ثمرته تحقيق المراد ونيل المأمول، فهو يشعرنا بأن هؤلاء الأكرمين قد نالوا ما نالوه بفضل هذا الخلق العظيم: خلق الخشوع.

وإذا كان القرآن المجيد قد حدثنا هذا الحديث الواعظ عن خلق الخشوع الحميد، فإنه إلى جوار ذلك قد حدثنا عن لون من الخشوع تأبى عدالة الله إلا أن تلجئ إليه الأشرار إلجاء، ليكون إشعارا بذلهم وهوانهم على الله جل جلاله، فيقول عن المشركين مثلا في سورة القلم: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) . أي يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب، لأن كشف الساق كناية عن شدة الهول، ويدعى هؤلاء المشركون إلى السجود، فلا يستطيعون لزوال القدرة منهم، أو لفوات وقت السجود، ويبدو عليهم خشوع وخضوع يظهران في أبصارهم، وتلحقهم ذلة وهوان.

ويقول في سورة القمر: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ(1) كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ). أي أعرض عن هؤلاء الكافرين الذين لا يفيد فيهم الإنذار، فإن الداعي سيدعوهم يوم القيامة إلى شيء فظيع لم تعهد مثله النفوس، وسيخرجون من قبورهم ذليلة أبصارهم خاشعة.

ويقول في سورة النازعات: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ) . أي ان قلوب هؤلاء الكافرين ستكون شديدة الاضطراب من الوجيف، وأبصارهم ستكون ذليلة من الخوف، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب في قوله: (أَبْصارُها) لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأصحابها، فهي كناية عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت