وبهذا التدبر نفهم أيضا أن انعدام التقوى من الإنسان يؤدّي إلى فساده في ذاته، وإلى إفساده لغيره، فالمحروم من التقوى يستبيح لنفسه الادعاء والكذب والنفاق، ويستبيح لنفسه التوسع في الإفساد وعمل الشر، وإذا نصحه مذكّر بأن يتقي الله تعالى تكبر وتجبر. فلننظر إلى القرآن الكريم وهو يقول في سورة البقرة: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ، وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ، وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) .
ولله درّ الصوفي المشهور «شاه الكرماني» حيث يقول: «علامة التقوى الورع، وعلامة الورع الوقوف عند الشبهات» . ولا شك أن الوقوف عند الشبهات نتيجة لصدق خوف الإنسان من الله جل جلاله، والذي يخاف ربه
يمنع نفسه أن تهضم حقا، أو تظلم إنسانا، أو تأتي فسادا، ومن هنا قد يسمى الخوف تقوى، كما قد تسمى التقوى خوفا، لما بينهما من ارتباط، فمن أراد التقوى خاف مقارفة الإثم وبعد عنه، ومن خاف الشيء اتقاه وتجنبه.