ومما يتصل بأثر التقوى في العلاقات بين الناس أنها باب لتوطيد المساواة الحقيقية القويمة بين الناس، ولذلك يرى المرحوم الرافعي أن التقوى هي مصدر النية في المؤمنين بالله، فإذا اعتدوا أو ظلموا أو انحرفوا بأهوائهم وشهواتهم، كان ذلك انصرافا منهم عن الله تعالى، وإهمالا لتقواه، واستخفافا بزجره ووعيده، وكأن ضمير أحدهم - إذا لم يحفل بتقوى الله - لا يحفل بالله جل جلاله وعز شأنه وعلا سلطانه، ومتى بلغ الإنسان هذا الدرك الوبيء الدنيء، فقد تكبر وتجبر وتعجرف، وكان عدوا للمساواة بين الناس، وكأننا بالقرآن المجيد يشير إلى ذلك حين يقول: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . فالآية الكريمة تقرر المساواة الطبيعية حين تذكر أن الجميع مخلوقون من ذكر وانثى، وأشارت إلى أن الغاية الاجتماعية للناس بشعوبهم وقبائلهم هي التعارف، والتعارف السليم مجمع للفضائل، وهو يؤكد المساواة والأخوة الإنسانية، وأساس التفضيل هو التقوى، فأكرم الناس الذين تساووا في الحالتين الفردية والاجتماعية هو أتقاهم، أي أحسنهم أخلاقا، لا أوفرهم مالا، ولا أحسنهم حالا، ولا أكثرهم رجالا، ولا أثقبهم فهما، ولا أوسعهم علما، ولا أشدهم قوة.
والتقوى تستلزم الإيمان بالله، وفهم كتاب الله، ومعرفة هدي رسول الله، ودراسة سير الصالحين من عباد الله، والاهتداء بهذا كله لوجه الله. ولذلك يقول الإمام محمد عبده: «التقوى أن تقي نفسك من الله: أي من غضبه وسخطه
وعقوبته، ولا يمكن هذا إلا بعد معرفته، ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله تعالى، وعرف سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيرة سلف الأمة الصالح، مطالبا نفسه بالاهتداء بذلك كله، فمن صبر وصابر ورابط، لأجل حماية الحق وأهله، ونشر دعوته، واتقى ربه في سائر شؤونه، فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند الله تعالى».