أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ» أي يسارعون إلى موالاة غير المسلمين ومعاونتهم، وهذه جريمة تقابلها فضيلة هي موالاة المؤمنين، ولقد اتفق رواة التفسير بالمأثور - كما جاء في تفسير المنار - على نزول هذه الآية في المنافقين، فهم الذين في قلوبهم مرض، أي ان إيمانهم عليل غير صحيح، إذ لم يبلغوا فيه مستقر اليقين، وكان عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين ذا ضلع مع يهود بني قينقاع، وكان غيره من المنافقين يمتّون إلى اليهود بالولاء والعهود، ويسارعون في هذه السبيل التي سلكوها، كلما سنحت لهم فرصة لتوثيق ولائهم وتأكيده ابتدروها، فهم يسارعون في أعمال موالاتهم مسارعة الداخل في الشيء الثابت عليه، الراغب فيما يزيده تمكنا وثباتا، ولذلك قالت الآية: (يُسارِعُونَ فِيهِمْ) ولم تقل: يسارعون إليهم.
ويقول القرآن أيضا في سورة المائدة: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) . والمسارعة في الكفر فيها - كما سبق - معنى الجد والاجتهاد في أعمال الكافرين، فهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية لم يكونوا مؤمنين، حتى يكون ما عملوا من أعمال الكفر انتقالا من الإيمان إلى الكفر، بل كانوا داخلين في حمأة الكفران، بل انتقلوا سراعا من حيّز الإخفاء للكفر وكتمانه إلى حيز التصريح به وإعلانه.