فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 1257

وأغلب هذه المعاني كما ترى يرتبط بمفهوم اساسي للإحسان، وهو أن يجعل الإنسان للفضل في معاملاته نصيبا، فلا يقتصر على أداء الواجب والمفروض، بل يضيف إلى ذلك شيئا من الفضل، وهو الإحسان، ولذلك نرى الإمام الرازي في تفسيره يميل إلى هذا الجانب، فيقول «ان العدل في الطاعات هو أداء الواجبات، أما الزيادة على الواجبات فهي ايضا طاعات، وذلك من باب الإحسان، وبالجملة فالمبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية هو الإحسان، والدليل عليه أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

فإن قالوا: لم سمّي هذا المعنى بالإحسان؟. قلنا: كأنه بالمبالغة في الطاعة يحسن إلى نفسه، ويوصل الخير والفعل الحسن إلى نفسه.

والحأصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب من الخيرات، والإحسان عبارة عن الزيادة في تلك الطاعات، بحسب الكمية، وبحسب الكيفية، وبحسب الدواعي والصوارف، وبحسب الاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية، فهذا هو الإحسان. واعلم أن الإحسان بالتفسير الذي ذكرناه يدخل فيه التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله.

ومن الظاهر ان الشفقة على خلق الله أقسام كثيرة، وأشرفها وأجلها صلة الرحم، لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر فقال: (وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) ، يعني في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ... ) إلى آخر الآية الكريمة.

ونرى الإمام القرطبي يتجه اتجاها ثانيا، فهو يرى أن «الإحسان» في تعبير القرآن يشمل تحسين الإنسان ما يعمله وتكميله، وإحسان الإنسان إلى غيره، وهو ايصال ما ينتفع به إليه، فهو يذكر هذين المعنيين عند تفسيره الآية السابقة.

ثم يقول: «وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا، فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض، حتى ان الطائر في سجنك، أو السّنّور (1) في دارك، لا ينبغي ان تقتصر في تعهده بإحسانك، وهو تعالى غني عن إحسانهم، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن» .

وهو - أي الإحسان - في حديث جبريل بالمعنى الأول لا الثاني، فإن المعنى الأول راجع إلى اتقان العبادة، ومراعاتها بآدابها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار، وهو المراد بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، وثانيهما لا ينتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له، واليه الإشارة بقوله تعالى: (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) ، وقوله: (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) .

والواقع ان صاحب الأخلاق القرآنية يستطيع أن يجد للإحسان

(1) السنور: القط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت