ولقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن الذنب إذا أتبعه صاحبه بثمانية أعمال كان العفو عنه مرجوا، وأربعة من هذه الثمانية تكون بالقلب، وهي التوبة أو العزم على التوبة، وحب الاقلاع عن الذنب، والخوف من العقاب عليه، ورجاء المغفرة له. والأربعة الباقية تكون بالجوارح، وهي أن يصلي عقيب الذنب ركعتين، ثم يستغفر الله بعدها سبعين مرة، ويقول: «سبحان الله العظيم وبحمده» مائة مرة، ثم يتصدق بصدقة، ثم يصوم يوما.
والناس فيما يتعلق بموقفهم من التوبة طبقات، فالطبقة العليا هي أن يتوب الإنسان، ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره، فهذا هو السابق بالخيرات، وهو صاحب التوبة النصوح، وهو صاحب النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، والطبقة التي بعدها هي أن يتوب الإنسان، ويستقيم في عمل أمهات الطاعات، ولكنه قد يقع في بعض الذنوب، فيندم ويأسف، ويلوم نفسه على ذلك، وهذا هو صاحب النفس اللوامة، والطبقة الثالثة هي أن يتوب الإنسان، ويستمر على الاستقامة مدة، ثم يغلب عليه هواه، فيدعوه إلى بعض الذنوب من حين إلى حين، وإن كان مؤديا للطاعات، وهذا هو صاحب النفس السوّالة التي تسوّل لصاحبها عمل المعاصي، والطبقة الرابعة هي أن يتوب الإنسان مدة، ثم يعود وينهمك في المعاصي، وهذا هو صاحب النفس الأمارة بالسوء، وهذه الطبقة هي شر الطبقات الأربع، وقد توسع الغزالي في الحديث عن كل طبقة من هذه الطبقات.
والتوبة إذا تحققت على وجهها كان ثوابها عظيما جليلا، وحسبنا أن نجد القرآن الكريم يقول في سورة القصص:(فَأَمَّا مَنْ تابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) (1) . ويقول في سورة النور: (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2) . ونحن نرى أن الآية قد علقت الفلاح على التوبة، وقالت «لعلكم» للاشعار بأن المؤمنين إذا تابوا كانوا على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون.