فاللبيب اذن هو من حاذر وخاف، ولم يستسلم لأحد، ولو كان من اولاده أو أقاربه، فانهم قد يزينون له الإثم، أو يحملونه بفتنتهم على ارتكاب المحظور أو كسب الحرام، ولذلك قال مجاهد في الآية السابقة: «ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم» . والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الاهل والولد، وخصوص سبب النزول لا يمنع عموم الحكم.
ويتحدث كتاب الله تعالى عن الحذر من العدو الباغي الطاغي، فيقول جل جلاله في سورة النساء: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) (1) . و «ثبات» معناها جماعات متفرقة، ومفردها «ثبة» . والمعنى: استعدوا للاعداء بالحذر والانتباه واليقظة، والا عصفوا بكم على حين غرة منكم: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً) . وفي «مفردات القرآن» أي معنى «خذوا حذركم» هو: خذوا ما فيه الحذر من السلاح وغيره، أي استعدوا واعدوا ما يكون سببا لتحقيق فائدة الحذر، وهو كل أنواع القوة: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (2) .
وهذه الآية الكريمة خطاب من الله تعالى للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفر، والخروج في سبيل الله، وقد أمرهم ربهم إلا يقتحموا على عدوهم على جهالة، بل يجب أن يتحسسوا ما عند الاعداء، ويعلموا كيف بواجهونهم ويردون على اعتدائهم، فذلك أثبت لهم، وهذا لا ينافي التوكل على الله، بل
(1) سورة النساء، الآية 71.
(2) سورة الأنفال، الآية 60.