كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا».
وقد ضربت السنة امثلة لمواطن المسابقة والمبادرة، فقال الحديث: «خير الأعمال الصلاة في أول وقتها» . وقال الحديث أيضا: «اول الوقت رضوان الله، ووسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله» . وقد علق ابو بكر الصديق رضي الله عنه على ذلك بقوله: «رضوان الله أحب الينا من عفوه، فإن رضوانه للمحسنين، وعفوه عن المقصرين» .
ودعا الحديث إلى المبادرة بالتوبة، فقال: «ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» . ودعا إلى المبادرة بالصدقة، فقال: «بادروا بالصدقة» . ودعا إلى المبادرة في السعي، فقال: «باكروا في طلب الرزق والحوائج، فإن الغدو بركة ونجاح» .
والإنسان الذي يزدان بفضيلة المسابقة إلى الخيرات يكون على الدوام عاملا من عوامل الصلاح والإصلاح، فلسانه يسارع إلى كلمة الحق والخير يقولها، ويده تسارع إلى المعونة الطيبة تقدمها، وعينه تسارع إلى صفحات العلم النافع تطالعها، وقلبه يسارع إلى مشاعر الخير ينفعل بها، وهكذا ...
ونعود إلى حديث القرآن عن فضيلة المسابقة في الخيرات. يقول الله تعالى في سورة البقرة آمرا بهذه الفضيلة:(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ
مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (1) اي تسابقوا إلى الخيرات والأعمال الصالحة، وهذا يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم. وقال ايضا في سورة المائدة: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (2) .
والقرآن الكريم يحدثنا بان المسارعة إلى الخيرات كانت فضيلة تذكر فتشكر للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام. فيقول في سورة الأنبياء: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) (3) .
ونوه القرآن بصفة السبق عند الملائكة، فقال في سورة النازعات: (فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا) (4) . فقد ذكر بعض المفسرين ان المراد هم الملائكة الذين سبقوا بني آدم بالخير والعمل الصالح.
وأمر الله تعالى عباده بالمسارعة إلى أبواب الفلاح والنجاح، فقال في سورة آل عمران: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (5) . والمراد بالمسارعة إلى المغفرة والجنة هو الإسراع إلى أسبابهما، وما يعد الإنسان لنيلهما، من التوبة عن الإثم، والإقبال على البر، ان الحسنات يذهبن السيئات.
وكذلك يقول القرآن في سورة الحديد: (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ، ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (6) . اي سابقوا ايها الناس إلى أعمال توجب لكم المغفرة والجنة.
(1) سورة البقرة، الآية 148.
(2) سورة المائدة، الآية 48.
(3) سورة الأنبياء، الآية 89، 90.
(4) سورة النازعات، الآية 4.
(5) سورة آل عمران، الآية 133.
(6) سورة الحديد، الآية 21.