فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 1257

وكأن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه كان يستحضر في ذهنه هذه المعاني حين قال في أول خلافته: «إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا، بيّن فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت تقصدوا (أي أعرضوا عن الميل إلى جهة الشر تستقيموا) الفرائض الفرائض، أدّوها إلى الله تؤدّكم إلى الجنة، إن لله حرّم حراما غير مجهول، وأحلّ حلالا غير مدخول (غير معيب) ، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلّها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين ومعاقدها (أي مواضعها من الذمم) فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، إلا بالحق، ولا يحق أذى المسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت، فإن الحساب أمامكم، وإن الساعة تحدوكم من خلفكم، تخفّفوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم. اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، وأطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه» .

ولقد تعرض الإمام الشيخ محمد عبده لقول الإمام علي: «بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت» ، فعلق عليه بقوله: «أي عاجلوا أمر العامة بالإصلاح، لئلا يغلبكم الفساد فتهلكوا، فإذا انقضى عملكم في شؤون العامة فبادروا الموت بالعمل الصالح، كيلا يأخذكم على غفلة، فلا تكونوا منه على أهبة، وفي تقديم الإمام أمر العامة على أمر الخاصة دليل على أن الأول أهم، ولا يتم الثاني إلا به، وهذا ما تضافرت عليه الأدلة الشرعية، وإن غفل عنه الناس في أزماتنا هذه» .

ويعود الإمام علي رضي الله عنه ليقول لاحد الولاة: «أما بعد، فإن الوالي إذا اختلف هواه (أي جرى مع شهواته) منعه ذلك كثيرا من العدل، فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء، فإنه ليس في الجور عوض من العدل، فاجتنب ما تنكر أمثاله (أي ما لا تستحسن صدور مثله من غيرك) ،

وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك، راجيا ثوابه، ومتخوفا عقابه.

واعلم أن الدنيا دار بلية، لم يفرغ صاحبها فيها قطّ ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة (لخلو هذا الفراغ من عمل طيب) وإنه لن يغنيك عن الحق شيء أبدا، ومن الحق عليك حفظ نفسك، والاحتساب على الرعية بجهدك (أي التطوع بالجهد لخدمة الأمة) فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت