فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 1257

لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه، وإحسان إليه، وأنعام عليه، لا معاوضته، إذ الأجرة إنما يستحقها الحر، أو عبد الغير، فأما عبد نفسه فلا.

والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران: أحدهما مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره فيه، وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فقلّ عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وان قل، وللنفس فيه حظ.

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» .

فإذا كان هذا التفات طرفة أو لحظة، فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله؟. هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية.

وقال ابن مسعود: «لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته، يرى أن حقا عليه: ان لا ينصرف إلا عن يمينه» . فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا ونصيبا للشيطان من صلاة العبد، فما الظن بما فوقه؟.

أما حظ النفس من العمل: فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون.

الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز، وأقل من أن يوفيها حقا، وأن يرضى بها لربه، فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه، ولا يرضى نفسه لله طرفة، ويستحي من مقابلة الله بعمله.

فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه».

وقد يسأل سائل فيقول: وما حكم العمل المشوب بحظ من حظوظ الدنيا؟ وما مكانه من الرضى والقبول عند الله عز وجل؟

ويجيب الغزالي عن ذلك بأن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى، بل اختلط به شوب من الرياء أو حظوظ النفس، فقد اختلفوا: أيقتضي ثوابا، أم يقتضي عقابا، أم لا يقتضي شيئا أصلا، فلا يكون له ولا عليه.

وأما العمل الذي يكون كله رياء فإنه يكون محسوبا على صاحبه، ويكون سبب المقت والعقاب له، وأما العمل الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب، وإنما النظر في العمل المشوب، فظاهر الأخبار الواردة تدل على أنه لا ثواب له، ولكن الأخبار هنا لا تخلو من تعارض، والظاهر لنا - والعلم عند الله - أن ننظر إلى قدر قوة الباعث على العمل، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى، فهو ليس بنافع، وهو مع ذلك يضر صاحبه ويفضي به إلى العقاب، وإن كان عقابه أقل من عقاب العمل الذي لا شيء فيه سوى الرياء.

وإن كان قصد التقرب إلى الله تعالى أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر، فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني، لأن الله تعالى يقول: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (1) . ويقول: (ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها) (2) .

فلا ينبغي ان يضيع قصد الخير في العمل، بل ان كان غالبا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت الزيادة، وإن كان قصد

(1) سورة الزلزلة، الآيتان 7 و 8.

(2) سورة النساء، الآية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت