الخير مغلوبا سقط بسببه جانب من العقوبة التي ستكون بسبب تغلب الرياء.
والحافظ العراقي يذكر أن الأخبار الواردة بشأن أن العمل المشوب لا أجر له. لا تخلو من تعارض، وذكر حديثا فيه أن رجلا قال: يا رسول الله، رجل يبتغي الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أجر له» . ثم ذكر حديثا آخر رواه أبو هريرة، وفيه أن الرسول سئل عن الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه. فقال: له أجران، أجر السر، وأجر العلانية».
والمرجو من فضل الله ورحمته أن يتجاوز بعفوه عما يعرض للإنسان في اثناء عمله من حظوظ النفس أو أهواء الذات، فإن استكمال حقيقة الإخلاص، وتجريد النفس من هواها، طريق شاق عسير، ونستطيع ان نتبين ذلك في إشفاق وخوف من حديث الغزالي حين يضرب أمثلة للمرائين الذين يخلطون التقرب إلى الله بغرض آخر من أغراض الدنيا، قل أو كثر، فيقول:
«ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحأصلة بالصوم مع قصد التقرب، أو يعتق عبدا ليتخلص من مؤونته، وسوء خلقه، أو يحج ليصبح مزاجه بحركة السفر، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده، أو ليهرب من عدو له في منزله، أو يتبرم بأهله وولده، أو بشغل هو فيه، فأراد أن يستريح منه أياما، أو يغزو ليمارس الحرب، ويتعلم أسبابه، ويقدر به على تهيئة العساكر وجرها.
أو يصلي بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه به، ليراقب أهله أو رحله، أو يتعلم العمل ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال، أو ليكون
عزيزا بين العشيرة، أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع.
أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص من كرب الصمت، ويفترج بلذة الحديث، أو تكفل بخدمة العلماء أو الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس، أو لينال به رفقا (1) في الدنيا، أو كتب مصحفا ليجدد بالمواظبة على الكتابة خطه، أو حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء، أو توضأ ليتنظف أو يتبرد، أو اغتسل لتطيب رائحته.