فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 1257

جل جلاله يحب المتوكلين على حوله وقوته، مع العمل في الأسباب بسننه، ومن أحبه الله عصمه من الاغترار باستعداده، والركون إلى عدته وعتاده، والبطر الذي يصرفه عن النظر فيما يعرض له بعد ذلك حتى لا يقدره قدره، ولا يحكم فيه أمره، فبدلا من أن يكون نظره في الأمور بعين العجب والغرور، واستماعه لأنبائها بأذن الغفلة والازدراء، ومباشرته لها بيد التهاون، يلقي السمع وهو شهيد، وينظر بعين العبرة فبصره حينئذ حديد، ويبطش بيد الحق فبطشه قوي شديد، ذلك بأنه يسمع ويبصر ويعمل للحق لا للباطل الذي يزينه الهوى ويدلي به الغرور، فيكون مصداقا للحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها» .

والرسول صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى ما في التوكل من ايجابية ونزعة عملية حين يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» . فقد أعطانا في هذا الحديث صورة حية لحركة الطيور التي تترك أعشاشها عند الصباح، وتخرج باحثة عن الطعام والقوت، وهي خالية البطون، وما تزال هكذا في سعيها وحركتها، حتى تعود آخر النهار وهي ممتلئة البطون.

وهذا أحد الصحابة يسأل رسول الله عليه الصلاة والسّلام قائلا: يا رسول الله، ناقتي أتركها وأتوكل؟ فأجابه: «اعقلها وتوكل» وفي هذا توجيه للأبصار والبصائر إلى الاحتياط والحذر وبذل الطاقة والمجهود.

ولو راجعنا سير الأنبياء والمرسلين - عن طريق القرآن الكريم - لوجدنا فضيلة التوكل كالقسط المشترك بين هؤلاء الأكرمين، فإبراهيم عليه السلام هو القائل كما حكت سورة الممتحنة: (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) . وروت السيرة أن إبراهيم قال عند القاء

الكافرين له في النار: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، ولذلك يقول عبد الله بن عباس: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت