وهذا هو «هود» عليه السلام، يقول كما جاء في سورة هود: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
وهذا هو صالح عليه السلام يقول كما جاء في سورة هود: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) .
وهذه هي طائفة من الرسل يتحدث عنها القرآن المجيد في سورة إبراهيم فيقول: (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) .
ان هذا الاستعراض العاجل السريع يؤكد لنا أن فضيلة التوكل إحدى الفضائل المشتركة التي ازدان بها رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا عجب فالله جل جلاله هو ناصر المتوكلين ومؤيدهم، وهو سبحانه القائل في سورة الطلاق: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) . ويقول في سورة الأنفال:
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . أي عزيز لا يذل من استجار به، ولا يهون من لاذ بجنابه، والتجأ إلى حماه، وهو حكيم لا يعجز عن تدبير من توكل على تدبيره.
ويقرر ابن القيم في «مدارج السالكين» أن العباد درجات في التوكل ومنازله، فأولياء الله وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، واعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابّه وتنفيذ أوامره، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله فارغا عن الناس، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه، من رزق أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة أو ولد، ونحو ذلك ... الخ.
ولكي يتم التوكل وتكمل درجاته يحتاج إلى لوازم هي:
1 -معرفة الرب وصفاته، وان الأشياء صادرة عن مشيئته وقدرته.