«وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» .
أي تواضع لهما فوق طاعتهما وحفظ حقوقهما ورعاية حرمتهما، فاخفض لهما جناح الذل بلين المنطق، وجميل اللقاء، ولطف المعاملة، وحسن المداراة، والمبادرة إلى الخدمة، والصبر على أمرهما، وترك التبرم بمطالبهما.
ويعلق جار الله على كلمة: «جناح الذل» فيقول: فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال: (واخفض جناحك للمؤمنين) فأضافه إلى الذل، كما أضيف حاتم الطائي إلى الجود، على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل الخاضع.
والثاني أن تجعل لذله جناحا خفيضا مبالغة في التذلل والتواضع لهما على سبيل الاستعارة، كما جعل لبيد الشاعر لريح الشمال يدا، وللقرة - وهي شدة البرد - زماما، في قوله:
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
والنيسابوري في تفسيره يذكر أن الطائر إذا أراد ضمّ فرخه إليه للتربية والحضانة، خفض له جناحيه فلذلك صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير، وهذا المعنى مناسب لحسن المعاملة التي نطلبها من الولد والديه، إذ لا بد من بذله الجهد حتى تأتي معاملته على أحسن وجه ممكن.
ويأتي الموطن الثالث وهو قول الله جل جلاله في سورة الشعراء:
«وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
وهذا أمر باللين العام، والتواضع الذي يشمل كل الاتباع المؤمنين، حيث يأمر الله نبيه بأن يلين معهم، ويحلم عليهم، ويترفق بهم. ويجسّم القرآن ذلك في صورة حسية، هي صورة الجناح المخفوض من الطائر حينما يهم بالهبوط حيث الهدوء والسكون والاطمئنان.