فهرس الكتاب

الصفحة 547 من 1257

ولذلك قيل ان الحكمة مجموعة معان من العلم، والعدل، والتنظيم، والتقويم.

وكأن هذا هو ما أشار إليه الحديث القائل: «في رأس كل عبد حكمة - بفتح الحاء والكاف - إذا همّ بسيئة فإن شاء الله أن يقدعه بها قدعه» أي ان شاء أن يمنعه بها من سوء التصرف منعه. فكأن هذه القوة الأخلاقية الموجودة في نفس الإنسان تقف منه موقف الديدبان الحارس الذي يهتف بصاحبه: حذار أن تفعل هذا، ولا تنس أن تفعل ذلك.

ولذلك لم يكن غريبا أن نجد كلمات بليغات لأئمة من السلف عن الحكمة توحي بمعان أخلاقية فيها، فيقول مالك بن أنس: الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له.

ويقول: الحكمة طاعة الله، والفقه في الدين، والعمل به.

ويقول الحسن: الحكمة الورع.

ويقول الربيع بن أنس: الحكمة الخشية.

ويقول أسلم بن زيد: الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله عز وجل إذا سخط الناس، وهم جلساء الله غدا بعد النبيين والصديقين.

ويقول أبو بكر الوراق: الحكماء خلف الأنبياء، وليس بعد النبوة إلا الحكمة، وهي أحكام الأمور.

ولقد أعطى أئمة التوجيه الروحي والأخلاقي ملامح للحكمة وللحكيم، فمن ملامحها الاقتصار على التكلم بالحق والصدق، ولذلك يقول أبو عثمان المغربي: «الحكمة هي النطق بالحق» . وكذلك من ملامحها الميل إلى الصمت أكثر من الميل إلى الحديث، مع وزن الكلمة قبل

النطق بها، ولذلك يقول أبو بكر الوراق: «أول علامات الحكمة طول الصمت، والكلام على قدر الحاجة» . ومنها انزال الناس منازلهم، واعطاؤهم حقوقهم، يقول شاه الكرماني: «علامة الحكمة معرفة أقدار الناس» . ومنها عدم الحرص على متاع الحياة الزائل، وعدم الانشغال به. يقول أبو سليمان الداراني: «إذا ترك الحكيم الدنيا فقد استنار بنور الحكمة» .

ولا شك في أن الحكمة بصورتها الرائعة قد تمثلت في رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأكملهم في هذه الحكمة هو سيدنا ومولانا رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه، وكأن هذا كان استجابة ربانية لدعاء إبراهيم وإسماعيل حين قالا كما حكى القرآن في سورة البقرة:

«رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (1) .

وإذا كان هناك من يفسر الحكمة في هذه الآية بالسنة النبوية فإن الإمام محمد عبده يرى أن ذلك غير مسلّم على عمومه، ويقرر أن الأصح أن يقال ان الحكمة هي في كل شيء معرفة سره وفائدته، والمراد بها أسرار الأحكام الدينية والشرائع ومقاصدها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بسيرته في المسلمين، وما فيها من الفقه والدين، والآية تشير إلى أن تعليم الكتاب والحكمة لا يكفي في إصلاح الأمم واسعادها، بل لا بد أن

(1) سورة البقرة، الآية 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت