فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 1257

فأما ما وقع فيه هؤلاء فهو الكسل والتواني والاماني الكاذبة».

ويرى الصوفية أن الطريق إلى المجاهدة عمادها وأساسها تطهير الباطن ليتزين الظاهر، والحارث المحاسبي يقول: «من صحّ باطنه بالمراقبة والإخلاص، زيّن الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة» . ويقول منصور

ابن عمار: «الناس رجلان: عارف بنفسه، فشغله في المجاهدة والرياضة، وعارف بربه، فشغله بخدمته وعبادته ومرضاته» .

ولقد أسرف بعض الصوفية في تصوير المجاهدة اسرافا لا يتواءم مع سماحة الدين ويسر الإسلام، وهذا مثلا هو الحكيم الترمذي يرى أن جهاد النفس يشمل صدها عن الحرام، وعن الاقتراب من حمى الإثم، بل منعها عن الحلال في أول الأمر، حتى لا تطمع في الحرام، ويصوّر ذلك بأن الإنسان يلزم نفسه الصمت عن الكلام حتى تتعود السكوت، وتموت عندها شهوة الكلام، وبذلك يقوى الإنسان على الصدق بعد ذلك، فلا يتكلم إلا بحق، وبذلك يصير سكوته عبادة، وكلامه عبادة، لأنه ان نطق نطق بحق، وان سكت سكت بحق.

ويتوسع الترمذي توسعا غير جميل وغير مقبول، فيقول: «وفي الجملة ينبغي أن يتفقد كل حال وكل أمر للنفس فيه فرح واستبشار، من نعمة أو وجود لذة أو أنس بشيء، فيقطعه عنها، وانه كلما هويت النفس شيئا أعطاها فرحت به، فينبغي له أن يمنعها، ولو شربة من ماء باردة تريد أن تشربها، فيمنعها في تلك الفورة التي تشوفت لوجود بردها ولذتها، حتى تسكن تلك الفورة، وينغص عليها، ثم يسقيها بعد ذلك، حتى يملأها غما، ويوقرها هما (1) ، لأن من شأنها إذا حبس عنها هذه الافراح بهذه الأشياء وبهذه الأحوال، فكأنه صيّرها في سجن، فيتقرب إلى الله عز وجل بغمها وهمها، فيجعل الله عز وجل له ثوابه نورا على القلب، فيزداد القلب بذلك النور قوة على منع النفس شهواتها، وعلى أخذ سلطانها، ويستولي عليها وهي تذل وتذبل، والعدو يخسا ويتحير، ويبطل كيده ومكره» .

(1) يوقرها: يثقلها ويملؤها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت