فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 1257

ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر، لا يطلع عليه أحد، فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة، وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة المؤمن) أي يرى منه ما لا يرى من نفسه، فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه، ولو انفرد لم يستفد. كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة.

وقال الشافعي رضي الله عنه: من وعظ أخاه سرّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وقيل لمسعر: أتحب من يخبرك بعيوبك؟. فقال: ان نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وان قرّعني بين الملأ فلا.

وقد صدق فإن النصح على الملأ فضيحة، والله تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كنفه في ظل ستره، فيوقفه على ذنوبه سرا، وقد يدفع كتاب عمله إلى الملائكة الذين يحفون به إلى الجنة، فإذا قاربوا باب الجنة أعطوه الكتاب مختوما ليقرأه.

وأما أهل المقت فينادون على رؤوس الاشهاد، وتستنطق جوارحهم بفضائحهم، فيزدادون بذلك خزيا وافتضاحا، ونعوذ بالله من الخزي يوم العرض الأكبر».

ورسول الله - عليه الصلاة والسلام - يحث أقوى الحث على أن تكون الدعوة إلى الخير شعار المؤمنين المهتدين، ويحرض على بث ما لدى الإنسان من علم أو فقه، ليكون ذلك حقا ميسورا يبلغ أهليه ومستحقيه، ولذلك قال: «لا تمنعوا العلم أهله، فإن في ذلك فساد دينكم، والتباس بصائركم» ثم تلا قوله تعالى في سورة البقرة:

«إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ

بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (1) .

ولقد رسم التنزيل الحكيم الطريقة المثلى للدعوة إلى الخير، فقال في سورة النحل:

«ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (2) .

ويعلّق الإمام الرازي في تفسيره على هذه الآية الكريمة فيقول: «أهل العلم ثلاث طوائف: الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية، وهي الحكمة» .

والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة، لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الافحام والالزام.

وهذان القسمان هما الطرفان، فالأول هو طرف الكمال، والثاني طرف النقصان.

(1) سورة البقرة، الآيتان 159 و 160.

(2) سورة النحل، الآية 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت