فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 1257

وأما القسم الثالث فهو الواسطة، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين، ولا في النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة، وأدناها المجادلة.

وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققون، وأوسطهم عامة الخلق، وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة والغلبة، وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة، فقوله تعالى: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ» معناه: ادع الاقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالحكمة، وهي البراهين القطعية اليقينية، وعوام الخلق بالموعظة الحسنة وهي الدلائل اليقينية الاقناعية الظنية، وتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل».

ثم يعلّق على قوله: «ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» بالعبارة التالية:

«انك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين. والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية، فبعضها نفوس مشرقة صافية، قليلة التعلق بالجسمانيات، كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات، وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات، عديمة الالتفات إلى الروحانيات.

ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها، لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها، فلهذا قال تعالى: اشتغل أنت بالدعوة، ولا تطمع في حصول الهداية للكل، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة، واباشراق النفوس المشرقة الصافية، فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية

مخصوصة، كما قال: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) والله أعلم».

ونستطيع أن نقول ان الآية الكريمة السابقة كأنها تقرر أن الداعي إلى سبيل الله، لا يدعو لغرض ولا لمرض، ولا لجنسية أو عصبية، ولا لمأرب أو مطلب، وإنما هو يدعو إلى سبيل ربه، وابتغاء وجهه، وتطلعا إلى مرضاته ورضوانه، وهو حين يدعو يدعو على بصيرة، فهو - كما ذكر العلماء - يدرس ظروف المدعوين ونفسياتهم، ويتعرف ما يناسبهم من الدعوة والنصيحة، ويختار الطريقة التي توائم وتلائم. وهو يسير في دعوته إلى الخير على بصر وحذر وحكمة.

وهو أيضا في دعوته إلى الخير يختار الموعظة الحسنة التي تتألف القلوب، وتستهوي النفوس، وتخالط المشاعر برفق ولطف، وهو يجادل من يتطلب المجادلة بالطريقة المثلى التي هي أحسن أنواع الجدال، فهو لا يتحامل ولا يتعنت ولا يقسو، وهو لا يحرص على الغلبة والانتصار، بل كل همه هو الاهتداء إلى الحق والانتهاء إلى الخير.

والقرآن الكريم يرسم الطريقة المثلى للين الدعوة إلى الخير حين يقول لموسى وهارون في سورة طه:

«اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي، اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت