فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 1257

فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم».

والسنة النبوية تحدثنا بأن النهي عن المنكر في بعض الأحوال يكون سببا في رفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ثم رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله تعالى فقتله على ذلك» . ويقول أيضا: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» . وفي رواية أخرى لأبي داود: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر» .

والنهي عن المنكر له مراتب، تبدأ بتنبيه من يفعل المنكر إلى أن هذا منكر، فقد يكون فاعل المنكر جاهلا أنه منكر، ويكون هذا التنبيه بلطف وحكمة، لأن التعريف بالخطأ مهمة حساسة، فإن الناهي قد تستولي عليه شهوة النقد والاعتراض، أو حبّ الظهور بمظهر التعليم والتوصية، ولذلك يقول الإمام الغزالي عن الناصح الناهي:

«وهاهنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، فانها مهلكة، وهي أن العالم يرى عند التعريف عزّ نفسه بالعلم، وذلّ غيره بالجهل، فربما يقصد بالتعريف الاذلال واظهار التمييز بشرف العلم، واذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه، ومثال هذا المحتسب مثال من يخلّص غيره من النار باحراق نفسه، وهو غاية الجهل، وهذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة، وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان، إلا من عرّفه الله عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته، فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين:

أحدهما من جهة دالة العلم، والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة، وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي».

ثم تأتي مرحلة التخويف بعد مرحلة التعريف، فإذا أفهم الناصح من بخطئ خطأه وعرّفه انحرافه، ولم يرتدع المخطئ، فإن الناصح ينتقل إلى تحذيره وتخويفه، بقدر ما يصلح معه ذلك، ثم تأتي مرحلة التهديد والوعيد، ثم تأتي مرحلة تغيير المنكر باليد ان كان ذلك في قدرته وطاقته واختصاصه، ولم يؤد التغيير إلى شر مماثل لشر الخطأ الواقع، أو إلى شر أكبر منه.

وهنا نتذكر الحديث النبوي القائل: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . وقد قال بعض العلماء ان التغيير للمنكر باليد هو وظيفة الحكام وأهل السلطة التي تقدر على التغيير المصلح، وان الانكار باللسان هو وظيفة أهل العلم والموعظة، وان الانكار بالقلب هو واجب المسلم الذي لا قدرة له على التغيير ولا قدرة له على النصح والوعظ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت