فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 1257

ولقد ذكر الإمام محمد عبده ان الناس يخلطون بين «النهي عن المنكر» و «تغيير المنكر» ، وهذا شيء آخر غير النهي البتة، ثم قال: «فإن النهي عن الشيء إنما يكون قبل فعله، والا كان رفعا للواقع، أو تحصيلا للحأصل. فإذا رأيت شخصا يغش السمن مثلا، وجب عليك تغيير ذلك، ومنعه منه بالفعل ان استطعت، فالقدرة والاستطاعة هنا مشروطة بالنص، فإن لم تقدر على ذلك وجب عليك التغيير باللسان، وهو غير خاص بنهي الغاش ووعظه، بل يدخل فيه رفع أمره إلى الحاكم الذي يمنعه بقدرة فوق قدرتك.

وللنهي طرق كثيرة وأساليب متعددة، ولكل مقام مقال».

ثم أضاف الإمام: «نعم إن دعوة الأمة غيرها من الأمم إلى الخير الذي هي عليه لا يطالب به كل فرد بالفعل، إذ لا يستطيع كل فرد ذلك، وإنما يجب على كل فرد ان يجعل ذلك نصب عينيه، حتى إذا عنّ له بأن لقي أحدا من أفراد تلك الأمم دعاه، لا أنه ينقطع لذلك ويسافر لأجله.

وإنما يقوم بهذا طائفة يعدون له عدته، وسائر الافراد يقومون به عند الاستطاعة، فهو يشبه فريضة الحج، هي فرض عين، ولكن على المستطيع، وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم يشترط فيها الاستطاعة، لأنها مستطاعة دائما».

وللناهي عن المنكر صفات يتحلى بها، ليكون نهيه مثمرا، ومن هذه الصفات أن يكون على علم ومعرفة، حتى لا ينهى بجهل، ولا يعترض بطيش، وحتى لا يعرض نفسه للمؤاخذة والتسفيه، فإن من أشد الأمور على الناس أن يتهجم جاهل أو أحمق بالاعتراض على غيره، واتهامه بأنه على منكر، ثم تنكشف الحقيقة عن أن الأمر ليس منكرا، وإنما جاء الاتهام بالمنكر من قبل ذلك الجاهل الاحمق الذي اندفع يعترض على الناس ويتهمهم، وهو محتاج إلى التعليم والتقويم.

ومن هذه الصفات أن يكون الناهي عن المنكر منتهيا عنه قبل أن ينهى الناس، أو حين ينهي الناس على الاقل، ولذلك قال القائل الحكيم:

لا تلم المرء على فعله ... وأنت منسوب إلى مثله

من ذم شيئا وأتى مثله ... فانما يزري على عقله

ومن صفات الناهي أن يكون دمث الأخلاق حليم النفس لين الحديث، وتاريخ الأخلاق يذكر لنا أن واعظا من الوعاظ تحدث إلى المأمون بنصيحة، فأغلظ فيها، فقال له المأمون: أيها الرجل، ترفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شرّ مني، وأمره بالرفق، لقد بعث الله موسى

وهارون إلى فرعون وقال لهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت