فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 1257

ومعنى الحديث بايجاز - كما في فتح الباري ـ: «أسلمت» أي استسلمت وانقدت، والمعنى جعلت نفسي منقادة لك، تابعة لحكمك، إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها.

وقوله: «فوضت أمري إليك» أي توكلت عليك في أمري كله، و «ألجأت» أي اعتمدت في أموري عليك، لتعينني على ما ينفعني، لأن من استند إلى شيء تقوى به واستعان به، وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه.

وقوله: «رغبة ورهبة إليك» أي رغبة في رفدك وثوابك، ورهبة أي خوفا من غضبك ومن عقابك.

وقال الطيبي: في نظم هذا الدعاء عجائب لا يعرفها إلا المتقن من أهل البيان، فأشار بقوله: «أسلمت نفسي» إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه، وبقوله: «وجهت وجهي» إلى أن ذاته مخلصة له بريئة من النفاق. وبقوله: «فوضت أمري» إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه، لا مدبر لها غيره، وبقوله: «ألجأت ظهري» إلى أنه بعد التفويض يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب كلها.

ومن أذكار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على فضيلة التفويض لله، قوله عند التهجد - فيما رواه البخاري ـ: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيّم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق. اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، واليك أنبت، وبك خاصمت، واليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما

أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت».

ولقد تجلى التفويض لله في حياة أبي الأنبياء إبراهيم عليه وعليهم الصلاة والسلام، والقرآن خير شاهد على ذلك. فهو يقول في سورة البقرة:

«وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ، قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» (1) .

وهو يقول في سورة الصافات:

«وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (2) .

وصورة القلب السليم - كما يقول بعض المفسرين - هي صورة الاستسلام الخالص، تتمثل في مجيئه لربه، وصورة النقاء والطهارة والبراءة والاستقامة تتمثل في سلامة قلبه، والتعبير بالسلامة تعبير موح مصور لمدلوله، وهو في الوقت ذاته بسيط قريب المعنى واضح المفهوم، ومع أنه يتضمن صفات كثيرة من البراءة والنقاوة والإخلاص والاستقامة، إلا أنه يبدو بسيطا غير معقد، ويؤدي معناه بأوسع مما تؤديه هذه الصفات كلها مجتمعات، وتلك إحدى بدائع التعبير القرآني الفريد.

وهو يقول في سورة الصافات أيضا:

(1) سورة البقرة، الآيتان 130 و 131.

(2) سورة الصافات، الآيتان 83 و 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت